بالزراعة وبناء الجسور، والقنوات، وصناعة الآلات الرافعة كالنواعير والدواليب والمبالغة في الاهتمام بالأزهار، والورود والعطور، وانصرفوا عن أخلاق الفروسية، وصناعة الآلات الحربية، وتركوا أشعار الحماسة والجهاد إلى أشعار الوصف والغزل إلى أن دهمهم العدو المتربص، وأحاط بهم من كل جانب فرزأهم في الأموال والأعراض، وفتنهم في دينهم، وهكذا أسدل الستار على مجد حافل، وعز طائل دام نحو ثمانية قرون، وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد التحذير من الإخلاد إلى الأرض وترك الجهاد والواجبات الأخرى في أحاديث كثيرة كقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [1] .
عناية المسلمين بالزراعة:
عنى المسلمون عناية كبيرة بالزراعة، واهتموا بإصلاح شبكات الري، وبناء القناطر، وتحسين الغلة الزراعية، وإحياء الموات، ولم تهمل الأرض في عصر من العصور الإسلامية، برغم اشتغال المسلمين بالفتوحات، وتوطيد الأمن في البلاد، فضلا عن اهتمامهم بالصناعة، والعمارة وتحديث الأسلحة، وبناء الأساطيل البحرية إلى غير ذلك.
ففي عصر النبوة نجد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ندب إلى الزراعة، وإحياء الموات والغرس والمساقاة، ورغب المسلم أن يمنح أرضه لأخيه يزرعها دون مقابل، وشرع إقطاع الأراضي في بعض الأحيان وكان لعدد من الصحابة -رضي الله عنهم- مزارع عظيمة المحصول تضاهي في ذلك أعظم المزارع
(1) أخرجه أبو داود، وغيره وهو حديث جيد بطرقه.