محيِّرةٌ وهي: كيف وصل الأمر إلى ذلك؟
وهل يجوز لهذا المفتي أو غيره من المفتين الإفتاءُ في دين الله بالتَّشَهِّي والتَّخيُّر؟ وهل يجوز البحث عن الأقوال التي توافق غرضَ المفتي وهواه أو غرض من يحابيه فيفتي به ويحكم به؟!
يُجيب عن ذلك الإمامُ ابن القيِّم (ت: 751) بقوله: «هذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر، والله المستعان» [1] .
وهذا الإمامُ الشَّاطبيُّ (ت: 790) ينقل في (موافقاته) كلامًا جميلًا لأبي وليد الباجي (ت: 494) ؛ حيث يقول:
« ... لا خلاف بين المسلمين ممَّن يعتد به في الإجماع أنَّه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحقِّ الذي يعتقد أنَّه حقٌّ؛ رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه؛ وإنَّما المفتي مخبرٌ عن الله- تعالى- في حكمه؛ فكيف يخبر عنه إلَّا بما يعتقد أنَّه حكم به وأوجبه؟ والله- تعالى- يقول لنبيِّه- عليه الصلاة والسلام: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] » [2] .
ونظرًا لأهميَّة هذه المسألة فقد عَدَّ بعض العلماء- كالسَّمعانيّ (ت: 489) - الكفَّ عن التَّرخيص والتَّساهل شرطًا من شروط المفتي؛ حيث يقول: «المفتي من استكمل فيه ثلاثة شرائط: الاجتهاد، والعدالة، والكفّ عن التّرخيص والتّساهل. وللمتساهل حالتان؛
(1) إعلام الموقعين: (4/ 185) .
(2) الموافقات: (5/ 91) .