المبحثُ الأوَّل
واقعُ المفتين
إنَّ النَّاظرَ في منهج بعض المنتسبين للفتيا اليومَ يخشى أن يشملَهم ذلك الذَّمُّ والزَّجْرُ الذي قاله العلماءُ وحَذَّروا منه؛ لوقوعهم في المحظور المنهيِّ عنه تارة، ولكونهم أخذوا التَّيسيرَ منهجًا في الفتوى تارةً أخرى، والأمر المدهشُ في هذه القضية أنَّك تجدهم يحتجُّون بحجج عامَّة غير منضبطة يَصدق عليها مقولة: «حقٌّ يُرادُ به باطل» ؛ فهم- مثلًا- يبرِّرون مسلكَهم هذا بحجَّة أنَّ الدينَ يُسر، وأنَّ الشَّريعةَ جاءت بقواعد السُّهولة والسَّماحة ورفع الحرج، ونحن إذا أخذنا بأهون الأقوال في المسائل وافقنا هذه القواعد والأصول السَّمحة التي شرَّعها الدين.
وحين نتأمَّل هذا الكلام نجد أنَّ مقدمتَه صحيحةٌ لا غبارَ عليها؛ ولكن نتيجتَه فاسدة؛ إذ إنَّ كونَ الشَّريعة قد راعت اليُسْرَ والسُّهولة في تكاليفها لا يعني بحال أن يختار المرءُ من أقوال الفقهاء ما يشتهي؛ لأنَّ هناك تناقضًا وتباعدًا بين هذه القاعدة العظيمة التي شرعها وجاء بها الخالق الحكيم، وبين تتبُّع رخص البشر المخلوقين.
وأمرٌ آخرُ؛ إذ كيف يسوَّغ للمكلَّف أن يرفع مشقَّةَ التَّكليف الشَّرعيّ التي شرَّعها الشَّارع بحيث يتَّبع كلَّ سهل جاء عن هؤلاء العلماء المخلوقين بدون أصول وضوابط؟!
إنَّ من المغالطات والأخطاء أن نقوم بتقرير فرع فاسد ونبنيه على