وبعد .. فإنَّ حالَ هذه المسألة في الآونة الأخيرة قد تَطايرَ شررُها، وعظم خطرُها، واتَّسَعَتْ رُقْعَتُها؛ حيث تطاوَلَ عمومُ النَّاس على الفتيا، وأصبحوا لا يتورَّعون عنها، ولا يستشعرون أهميَّتَها، وزاد في الأمر انتشارُ ظاهرة: (بعض مفتي الفضائيات والمواقع الإلكترونيَّة المتساهلين) الذين سعوا - برغبة أو رهبة - كأنَّهم إلى نُصُب يوفضون في نشر الفتاوى الشَّاذَّة والرُّخَص المخالفة؛ فتمكَّنوا من الرّقبة، واقتحموا العقبة؛ فلبَّسوا على الناس دينهم حتى صار بعض المستفتين إذا نزلت عليه نازلة واحتاج إلى فتوى وأراد التَّسهيلَ والتَّرَخُّصَ واتِّباعَ الهوى تَوَجَّهَ إلى أحد هؤلاء المفتين فأفتاه بما يريد وأعطاه المزيد! فيا للعجب!
جاءت الشَّريعةُ لتحكم أهواءَ الناس وتهذِّبها فصار الحاكمُ محكومًا والمحكوم حاكمًا وانقلبت الموازين رأسًا على عقب؛ فصار هؤلاء الجَهَلَة يُحَكِّمون أهواءَهم في مسائل الخلاف، فيأخذون أهونَ الأقوال وأيسرَها على نفوسهم دونَ استناد إلى دليل معتبَر.
وفريق آخر من أهل الأهواء من بني جلدتنا يتكلَّمون بألسنتنا ويكتبون في صحفنا، أفكارهم غريبة، وتوجُّهاتهم مخيفة، انبهروا بالحضارة الغربيَّة الكافرة، وأرادوا نقلَها لنا بعجرها وبجرها، وحذوها حذو القذَّة بالقذَّة، فهجموا على كل شيء في الدين أصولًا وفروعًا، وتجرَّؤوا على العلم، وهجموا على العلماء؛ فأهملوا أصولًا، وأحدثوا فصولًا، فجاؤوا بمنهج جديد وأظهروا الرُّخَصَ وتتبَّعوا الشَّواذَّ لنصرة