مناطقهم للائتلاف الوطني العلماني، وأنهم يسعون لنيل رضا الدول المجاورة لهم [1] ، ولإنشاء حكومة مدنية برغبة من هذه الدول تكون امتدادًا لأمنها القومي، وأنهم سيسلمون الحكم في مناطقهم لإدارة وطنية علمانية تحكم بالقوانين الوضعية المدنية، وأنهم يمنعون تدريس التوحيد في مناطقهم ويحاربون من يفعل ذلك، وأنهم سيسحبون السلاح من المدنيين رغم وجودهم في أرض الحرب والجهاد، وزعم بعضهم أنهم يسعون لنيل رضا أمريكا الصليبية، وأن بعض قادتهم قد أرسل لدول الغرب الصليبية يعرض عليها التعاون معها في قتال الخوارج، وذهب البعض لاتهامهم بالخيانة والعمالة للكفار المحاربين، إلى غير ذلك من الشائعات التي يظهر كذبها لكل من تحقق وتثبت منها، وهذه الشائعات وغيرها قد قيلت في أزمنة متباينة من مصادر مختلفة، وصدَّقها بعض الناس في حينها.
وقد أردت في هذه الرسالة تبيين منهج القرآن ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح في تلقي الأخبار والشائعات والتعامل معها، ليقتدي المسلم في حياته والمجاهد في جهاده بهذا المنهج الرباني القويم، فلا يصبح عرضة للشائعات والأراجيف التي تؤول بالمرء إلى التشكك والارتياب المُذهِب للإيمان مآلًا، لأن المرء إن كثرت به الظنون والشكوك ترك ما هو عليه من الإيمان والعمل، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [2] .
فقرن الله إيمانهم وجهادهم وصدقهم بعدم الارتياب، والارتياب هو الشك، والشك يتحقق في نفس المرء بسماعه للشبهات والشائعات والأراجيف، سواء كانت مما يتعلق بأمور دينه، أو مما يتعلق بواقعه وعمله الذي يتقرب به إلى ربه - سبحانه وتعالى -، كالجهاد وغيره، ولهذا كان واجبًا على من أراد الاحتياط لدينه والنجاة به وعدم الانتكاس عنه أن ينتهج التثبت والتحقق من كل ما يُنقل له، وأن يُعرِض عمن يبث الشبهات والشائعات، ولا يُلقي سمعه له، ولو كان ظاهره الخير والصلاح، استرشادًا بقول الله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [3] .
فهذا صنف من الناس أخبر الله أنه لو وُجِدَ بين المجاهدين ما زادهم إلا عناء وفسادًا وهلاكًا، وذلك لما يقوم بنشره بين الناس من شبهات وشائعات وأراجيف، يسارع بها بينهم بغية إحداث الفتنة وإيقاع الاختلاف، مع وجود من يسمع له من المسلمين والمجاهدين ويصدِّقه في قوله، ظنًا منه صلاح حاله، لوجوده بين المسلمين في جهادهم، فيذهب للسماع منه واستنصاحه اغترارًا به، لعدم علمه بحقيقة حاله، فيأخذ شبهاته وأراجيفه على محمل الجد والحقيقة دون تثبت أو تحقق، إحسانًا للظن به، وذلك عن انخداع منه واغترار به،
(1) ينبغي التنبه للفرق بين تحييد الخصوم والسعي لنيل رضاهم، فالأولى سنة نبوية، وأما الثانية فخبر كاذب يحتاج لإثبات.
(2) الحجرات: 15.
(3) التوبة: 47 - 48.