زيد وزينب بنت جحش وبُرَيرَةَ.
ومنها أن الأصل في الإفك أن يتولى كبره شرار الناس، كعبد الله بن أُبَيٍّ وأمثاله، أما حين يتناقله ويتولى كبره من يُحسب على العلم والجهاد، فهنا تكون المصيبة أشد والإثم أعظم، لانخداع الناس بهم.
يقول الدكتور/ منير الغضبان ~: (وحين يتحصن الصف من الفرية، وتبقى في صفوف المنافقين فلا خطر منهم ولا همّ، لكن عندما تنتقل إلى داخل الصف المسلم فتسري فيه سريان النار في الهشيم، عندئذ يبدو خطرهم الكبير. والنص القرآني حين تحدث عن هذه الحادثة كان يخاطب الصف المسلم أكثر مما يخاطب صف المنافقين، ويحمل على المؤمنين الصادقين الذين تأثروا بهذه الفرية، واستجابوا للحديث في الظُّنَّةِ دون بينة) [1] .
ومنها أن الإفك يبقى إفكًا ولو تناقله خيار الناس، كما تكلم به حسان بن ثابت، ومِسْطَحُ بن أَثَاثَةَ، وحِمْنَةُ بنت جَحْشٍ، ونقلهم للإفك لا ينقله للحقيقة لمجرد نطقهم به، بل قد يُعاقبون ويُعزَّرون على تكلمهم بهذا الإفك وإشاعته بين المسلمين، ولو كانوا من رؤوس الناس ووجهائهم، كما أُقيم الحد على حسان بن ثابت، ومِسْطَحُ بن أَثَاثَةَ، وحِمْنَةُ بنت جَحْشٍ.
يقول الدكتور/ منير الغضبان: (والموقف الأخير الذي نستخلصه من حديث الإفك هو عقوبة المغترين اللاغطين المثيرين للفتنة، فلا يكفي أن تثبت براءة المتهم، ولا يكفي أن تدفع القيادة عنها قالة السوء وانتهى الأمر. بل لابد في الصف المسلم من العقوبة الصارمة مع من يثير الإشاعة ويسعى في نشرها بعد التثبت منها) [2] .
بل قد يقدح نقل الإفك في عدالة ناقليه، ولو كانوا من خيار الناس ظاهرًا، وذلك إن تكرر منهم، حتى أصبح عادة ملازمة لهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم: {وما يزالُ الرَّجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا} [3] ، ولاشك أن الإفك من الكذب، وإصرار المرء على نقل الشائعات وعدم التحقق من الأخبار والأقوال مما يدخل في تحري الكذب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كَفَى بِالمرءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ} [4] ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم نقل الأخبار والأقوال دون تثبت وتحقق منها، من الكذب، فيكون ملازمة ذلك وتقصده من تحري الكذب، ومن كان هذا حاله فهو عند الله كذابًا، وكذلك عند الناس، لأن ميزان المؤمن تبعٌ لميزان الله، ومن كان ممن يتحرَّون الكذب فلا يجوز تصديقه وأخذ العلم والدين عنه، إذ (العِلْمَ دِينٌ، فانظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُونَ دِينَكُم) [5] .
(1) المنهج الحركي للسيرة النبوية، 3/ 8.
(2) المصدر السابق، 3/ 11.
(3) صحيح مسلم (105/ 2607) .
(4) سبق تخريجه.
(5) مقدمة صحيح مسلم (5 - باب في أن الإسناد من الدين) .