الصفحة 18 من 29

أبي بن سلول لم يشيع إفكه من عدم، بل نظر إلى موقف فيه شبهة، وهو تأخر عائشة وصفوان السُّلَمِيُّ وحدهما عن الجيش، وهذا الموقف يحتمل خلوة محرمة بينهما، والخلوة المحرمة تحتمل وقوع الزنا فيها، فانتهز المنافقُ الموقفَ لإشاعة إفكه الكاذب، ولما كان ظاهر الموقف يحتمل ذلك صدَّقه بعض الناس، وتناقلوا إفكه بينهم، رغم استحالة تصور ذلك في حق من يشاع عنه هذا الإفك.

ومن أمثلة الشائعات التي تشبه في ظاهرها الأخبار الحقيقية ما حصل من انتشار شائعة إسلام قريش بعد قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لسورة النجم في مكة، لما سجد معه المشركون عند تلاوته لقوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} (1) ، فظاهر الحدث السجود، لكنه ليس سجود المُذعن المنقاد، فأُشيع الخبر خارج مكة على أن قريشًا دخلت في الإسلام، ووصل لمهاجري الحبشة على هذه الصورة الخاطئة، وسبب ذلك أن الصورة الحقيقية الحاصلة تشبه الصورة الخاطئة المشاعة، وهذا الأمر وهو اشتباه صورة الحدث، مما يكون له أثر في انتشار الشائعات، بسبب التشابه الظاهري، فيتصور الناس الحدث على غير صورته الصحيحة.

وهذا الأسلوب الخبيث من ابن أُبَيّ يتكرر مع الناس بصور مختلفة، وهو عمدة أصحاب الشائعات والأخبار الكاذبة، كالصحفيين وغيرهم، وقَلَّ من ينتبه لذلك، وأمثلته في واقعنا وجهادنا كثيرة، ومن ذلك ما يحدث أحيانًا بين المجاهدين من جلوسهم مع بعض المنافقين أو المحاربين لهذا الدين، لمصالح شرعية معتبرة، كتحييدهم أو غير ذلك، فيتوهم بعض الناس أنه جلوس من نوع العمالة والتآمر، أو من نوع التنازل والمداهنة، وخاصة إن تزامن ذلك مع تطورات سياسية تحتمل دلالات مختلفة، مع أن الجلوس قد يكون له مقاصد عديدة ويحتمل دلالات مختلفة، ومنها التحييد أو الدعوة أو تأليف القلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم جلس مع رؤوس الكفر والنفاق في زمانه، فمجرد الجلوس ليس بتهمة، كما أن تأخر صفوان السُّلَمِيُّ وعائشة ليس بتهمة، وحمل الأمر المحتمل على أسوأ محامله وعلى التهمة هو من تقديم سوء الظن، ومعلوم أن الأمر إن تطرق له الاحتمال بَطُلَ به الاستدلال.

ومن جملة الفوائد كذلك: أن السكوت عن رد الإفك لفترة - ولو طالت - لا يعني صحته أو صحة الشائعة، فقد تأخر الوحي شهرًا في تبرئة عائشة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت