لقد تصور عاقبة هذا الإقبال على الكتابة، وجعل الحديث في دفاتر وكراريس، فأعلن إنكاره مدويًا: «لاَ تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ المَصَاحِفِ» [1] .
ويمكننا أن نحمل قول الزهري: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [2] - على ما بيناه، لأننا نعرف أن الإمام الزهري كان يكتب الحديث وهو في دور طلب العلم، وكان يشجع أصحابه على الكتابة، حتى إنه كان يكتب في ظهر نعله خشية - أن يفوته الحديث [3] وفعلًا عندما طلب منه الخليفة هشام بن عبد الملك أن يكتب لِبَنِيهِ خرج وأملى على الناس الحديث [4] وقال: «اسْتَكْتَبَنِي الْمُلُوكُ فَأَكْتَبْتُهُمْ، فَاسْتَحْيَيْتُ اللَّهَ إِذْ كَتَبْتُهَا المُلُوكَ أَلاَّ أَكْتُبَهَا لِغَيْرِهِمْ» [5] .
وقد سبق أن بينت أن حرصه على تنقيح السُنَّةِ كان عاملًا كبيرًا في تدوينه الحديث هو وبعض معاصريه.
وكان سعيد بن عبد العزيز يفخر بحفظه ويقول: «مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا قَطُّ» [6] . ونرى الإمام الأوزاعي بعد أن كان يملي على طلابه ويصحح لهم ما يكتبونه عنه ليجيزهم بروايته [7] ، ينفر من الاعتماد على الكتاب، ويتشاءم مما سيؤول إليه الحفظ فلا يسره الميل عن طريق السلف الذين كانوا يتلقون الحديث من
(1) "تقييد العلم": ص 47.
(2) المرجع السابق: ص 107، و"طبقات ابن سعد": ص 35 قسم 2 جـ 2.
(3) انظر"تقييد العلم": ص 107.
(4) انظر"حلية الأولياء": ص 363 جـ 3.
(5) "جامع بيان العلم وفضله": ص 77 جـ 1.
(6) "سنن الدارمي": ص 121 جـ 1، و"تذكرة الحفاظ": ص 203 جـ 1 وتوفي سعيد بن عبد العزيز سَنَةَ (167 هـ) .
(7) انظر"الكفاية": ص 322.