كما كان حضوره في المجالس التي تفتح أبوابها في العديد من أحياء الرياض حضورًا مشهودًا حيث كان أحد الملازمين لأحد المجالس الكبيرة التي كانت تعقد في مجلس وزير الدولة آنذاك الشيخ (محمد بن صالح بن شلهوب) المعروف بـ (شلهوب) حيث كان يتلو فيه الشيخ (محمد بن سعيد) صفحات من كتب التاريخ أو التفسير أو الآداب على الجالسين الذين يؤمون ذلك المجلس بقصد الاستفادة وتزجية الوقت والمؤانسة. فيتلو عليهم من أحد تلك الكتب لمدة لا تزيد على نصف ساعة ثم يتقدم قارئ آخر هو الشيخ عبد العزيز بن محمد بن شلهوب فيمضي في القراءة نحوًا من نصف ساعة في كتاب آخر ثم يتلوهما قارئ ثالث ابن العم سعد بن عبد العزيز الرويشد (مد الله في حياته) فيقرأ نحوًا من ذلك .. وفي هذه الأثناء يقدم للجالسين الشاي والقهوة، وبعد الفراغ يقدم للحضور فاكهة الموسم أو شيء من التمر ثم تتاح الفرصة للمعلقين من طلبة العلم أو يتم تجاذب الحديث بين الأطراف للاستيضاحات.
وليس مجلس الشيخ محمد بن شلهوب هو المجلس الوحيد في الرياض آنذاك بل كانت هناك مجالس أخرى في عدد من الأحياء يكون غالب أصحابها من العلماء أو من ذوي اليسار .. وتتم القراءة والحضور بين صلاتي المغرب والعشاء وكانت العادة آنذاك أن تؤخر صلاة العشاء لأن سكان الرياض في ذلك الحين لا يلبثون بعد أداء الصلاة أن يدخلوا بيوتهم استعدادًا للذهاب إلى النوم.
والجدير بالذكر أن عادة فتح المجالس والقراءة فيها عادة قديمة .. يتوارثها الآباء عن الأسلاف، وبعد الانتهاء من القراءة يخرج الناس عن صمتهم ويتحدثون في شؤونهم ويتجاذبون أطراف الحديث ثم ينهض الجميع لصلاة العشاء في أقرب مسجد من ذلك المجلس.
وفي عهد الملك عبد العزيز تم اختيار الشيخ محمد بن سعيد ليكون أحد رؤساء الشعب في الديوان ثم ديوان الملك سعود، فكان وجوده على رأس تلك الشعبة محل رضا الناس من الحاضرة والبادية، حيث يلقاهم بوجهه الصبوح ومحياه الطلق. فيلبي طلباتهم ويعرض مشكلاتهم وينفذ التوجيهات السامية بالنسبة لهم دون تأفف أو تذمر أو تسويق.
وكان للثقة الكبيرة التي أولى إياها عونًا على إنجاز أعماله الشاقة حيث كان عمله يتطلب المواجهة بالجمهور وعرض أحوالهم فكان الكل يلقى منه الاستجابة وقضاء الحاجة. رحمه الله.
وأتذكر آنذاك أنه قد أوكل إليه صرف الإعانات والمساعدات العامة للحاضرة والبادية. فكان يقوم بتلك المهمة وإلى جانبه لجنة مختارة من ذوي الخبرة والأمانة للقيام بتوزيع تلك الإعانات والمساعدات في البادية والقرى.
وفي سنة من السنوات قام بتوزيع تلك المساعدات كالمعتاد، وبينما كان منشغلًا بأداء مهمته مع اللجنة قام فريق من الأشقياء من سفهاء البادية وأقدموا على قذف اللجنة بالحجارة لإرباكهم كي يتسنى لهم السطو على ما بحوزتهم من النقود، فلم ينجحوا في مهمتهم غير أن حجرًا أصاب وجه الشيخ محمد بن سعيد جراء قذف أولئك الأشقياء الذين ولّوا الأدبار غير أن الفرقة المصاحبة للجنة تعرفت على بعض مثيري ذلك الشغب .. فلم يمض يوم أو يومان على الحادث حتى اقتيد أولئك السفهاء من أماكنهم إلى سجن الرياض، وأدخل الشيخ محمد المستشفى للعلاج .. وفي اليوم التالي زار الملك سعود المستشفى للاطمئنان على صحة الشيخ محمد، ولإفهامه بأن المعتدين قد أودعوا السجن وسيلقون جزاءهم.
وكان الحادث قد وقع في شهر رمضان المبارك، وعندما أراد الملك سعود مغادرة المستشفى والانصراف هب الشيخ محمد بن سعيد واقفًا وأمسك بالملك قائلًا له: أطال الله عمرك لي عندك طلب هو الطلب الأول والأخير وهو أن تطلق سراح المعتدين السجناء لينضموا إلى عائلاتهم في هذا الشهر، وليعظم أجرك وأجري إن شاء الله. فأنا متنازل عن حقي الخاص، وأطلب من جلالتك أن تأمر بالتنازل عن الحق العام. فدهش الملك لهذا الطلب وجعل يتلفت إلى من حوله متعجبًا مستغربًا من تلك التضحية ثم بدرت من عيني الملك سعود - رحمه الله - دمعتان كبيرتان تقديرًا منه لهذا الموقف النبيل، ولم يلبث أن أمر في الحال مدير الشرطة آنذاك المرحوم محمد علي الثقفي بإطلاق سراح السجناء بناء على طلب صاحب الحق. فما كان من أولئك المعتدين إلا أن تقاطروا مع ذويهم على المستشفى معلنين أسفهم شاكرين ومتأسفين، وداعين الله أن يعجل بشفائه وأن يجزيه خير الجزاء
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)