وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءَ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا } .
عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ .
أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَرْفَعُ جُزْءًا كَانَ ثَابِتًا ، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ .
فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْته فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ .
لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ .
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ .
فَفَسَّرَهُ بِرَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ كُلَّ مَا اعْتَرَفَ بِهِ .
وَقَالَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَزَا إقْرَارَهُ إلَى سَبَبِهِ ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي .
أَوْ يَقُولُ: دَفَعَ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ بِهِ .
فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .
وَغَيْرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُتَصَوَّرُ ، وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ ، فَيَتَنَافَيَانِ ، وَإِنْ سَلَّمَ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ .
فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ ، إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ .
فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا .
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .