فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 138

اعلم أن المشهور عن قدماء الكرامية إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لا نريد به كونه تعالى مؤلفا من الأجزاء ومركبا من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيا عن المحل قائما بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في أنه تعالى جسم أو لا نزاعا لفظيا هذا حاصل ما قيل في هذا الباب إلا أنا نقول كل ما كان مختصا بحيز أو جهة يمكن أن يشار إليه بالحس بذلك المشار إليه أما أن لا يبقى منه شيء في جوانبه الست وإما أن يبقى فإن لم يبق منه شيء في جوانبه الست فهذا يكون كالجوهر الفرد وكالنقطة التي لا تتجزأ ويكون في غاية الصغر والحقارة ولا أظن أن عاقلا يرضى أن يقول إن إله العالم كذلك وأما إن بقي شيء في جوانبه الست أو في أحد هذه الجوانب فهذا يقتضي كونه مؤلفا مركبا من الجزءين أو أكثر وأقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لا تقبل التفرق والإنحلال إلا أن هذا لا يمنع من كونه في نفسه مركبا مؤلفا كما أن الفلسفي يقول الفلك جسم ألا أنه لا يقبل الخرق والالتآم فإن ذلك لا يمنعه من إعتقاد كونه جسما طويلا عريضا عميقا فثبت أن هؤلاء الكرامية لما اعتقدوا كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة ومشارا إليه بحسب الحس واعتقدوا أنه تعالى ليس في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد والنقطة التي لا تتجزأ أوجب أن يكونوا قد اعتقدوا أنه تعالى ممتد في الجوانب أو في بعض الجوانب ومن قال ذلك فقط اعتقد كونه مركبا مؤلفا فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف والمركب امتناعا عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقدا لمعناه فثبت أنهم إنما أطلقوا لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى طويلا عريضا عميقا ممتدا في الجهات فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركبا مؤلفا فهذا تمام الكلام في القسم الأول من هذا الكتاب وهو القسم المشتمل على الوجوه العقلية وبالله التوفيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت