ويَنسُب الحاكم النيسابوري (3) إلى النضر بن شُمَيْل المازني المتوفى سنة 203ه أول مصنَّف في غريب الحديث، ويقول في وصفه:"هو عندنا بلا سماع". ومن العلماء الذين تركوا مصنفات في هذا الحقل قطرب (4) المتوفى سنة 206ه، وأبو زيد الأنصاري (5) المتوفى سنة 215ه، والأصمعي (6) المتوفى سنة 216ه.
وذكر الخطيب البغدادي (7) أنَّ أوَّل من صنَّف في هذا الفن هو: أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنى المتوفى سنة 210ه، ويؤيده في ذلك لفيفٌ من المؤرخين، كياقوت (8) وابن الأثير (9) والسيوطي (10) .
(1) النهاية: 1/ 5.
(2) وفيات الأعيان: 4/ 342.
(3) معرفة علوم الحديث: 121، وانظر: الرسالة المستطرفة: ص / 154.
(4) انظر: الفهرست: ص / 96، وغريب الحديث للخطابي: 1/ 49.
(5) انظر: الفهرست: ص / 96.
(6) انظر: الفهرست: ص / 96.
(7) تاريخ بغداد: 12/ 405.
(8) معجم الأدباء: 6/ 2704.
(9) النهاية: 1/ 5.
(10) بغية الوعاة:2/ 294.
وقد يكون أبو عدنان عبدالرحمن بن عبدالأعلى السُّلَمِي سابقًا لأبي عبيدة؛ لأنه كان معاصرًا ليونس بن حبيب أستاذ أبي عبيدة، إذ يقولون:"إنَّ له كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد، وصنَّفه على أبواب السنن والفقه، إلا أنَّه ليس بالكبير" (1) وكتاب أبي عدنان هذا دليلٌ واضح على أنَّ الاعتماد على الرواية والأسانيد في نقل تفسير الألفاظ كان المنطلق الذي انطلقت منه بواكير المؤلفات في غريب الحديث. قال ابن الصَّلاح (2) :"أصل الإسناد أولًا خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنَّة بالغة من السنن المؤكدة، رُوِّينا من غير وجه عن عبدالله بن المبارك -رضي الله عنه- أنه قال: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
ويُعَدُّ كتاب"غريب الحديث"لأبي عبيد القاسم بن سلام (3) المتوفى سنة 224ه أول كتابٍ وصَلَنا في هذا الفن. يقول هلال بن العلاء الرَّقِّي (4) :"مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة، وعدَّد منهم: أبا عبيد إذ فسَّر غرائب حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"وقد حظي كتاب أبي عبيد بتقدير وافر لدى علماء الغريب. يقول ابن قتيبة (5) :"وقد كان تَعَرُّف هذا وأشباهِه عسيرًا فيما مضى على طلبة العلم، لحاجته إلى أن يُسأل عنه أهل اللغة. ومن يكمل فَهْمُه منهم ليفسر غريب الحديث وَفْتقَ معانيه وإظهار غوامضه قليل. فأمَّا في زماننا هذا فقد كُفِي حملةُ الحديث مؤونةَ التفسير والبحث بما ألَّفه أبو عبيد".
(1) تاريخ بغداد: 12/ 405، وانظر: الفهرست: ص / 51، وإنباه الرواة: 4/ 148.
(2) مقدمة ابن الصَّلاح: ص / 231.
(3) انظر في ترجمته: وفيات الأعيان: 4/ 61، سير أعلام النبلاء: 10/ 490، والبغية: 2/ 253.
(4) معرفة علوم الحديث للحاكم: ص / 121.
(5) غريب الحديث له: 1/ 150، وانظر: تاريخ بغداد: 12/ 405.
يبدأ أبو عبيد كتابه بسند مطوَّل يذكر فيه حديث"زُوِيت لي الأرض فأُرِيت مشارقَها ومغاربَها"فيتحدث عن معاني مادة"زوى"، وينقل شرحها من كتاب أبي عبيدة مَعْمر بن المثنى الذي تقدَّمه، ويستشهد بالشعر، ويسرد أقوال العلماء من أمثال: أبي زياد الكلاعي وأبي عمرو الشيباني والكسائي.
وقد نهج أبو عبيد منهج البدء بأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غير أن يراعي ترتيبًا معينًا في سَرْدها، وقد رواها بالأسانيد، واستغرقت هذه الأحاديث قسمًا كبيرًا من كتابه، ثم أتبعها بالأحاديث المنسوبة للصحابة، فيبدأ بروايات الخلفاء الأربعة من خلال الجزء الثالث (1) ، ثم يبدأ الجزء الرابع بأحاديث الزبير (2) ، فطلحة -رضي الله عنهما- حتى تكمل أحاديث العشرة المبشرين بالجنة، ثم يذكر أحاديث ابن عباس، فخالد بن الوليد -رضي الله عنهما- وغيرهم من الصحابة، ثم أحاديث الصحابيات (3) ، فالتابعين (4) ، ويختم كتابه (5) بأحاديث لا يُعرف أصحابها.