ومن هذه الأشياء التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم ولذلك لن أذكر إلا ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه القضية وحكم من وقع فيها بإذن الله تعالى، ولن أذكر قال فلان أو فلان إلا ما كان تعليقًا على الأحاديث فأذكر ما جاء عن أهل العلم ما يبين الحديث.
فأقول: لا شك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه أولى بالحق من غيره، أخرج مسلم (1065) وغيره من حديث القاسم بن الفضل الحداني ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
وأخرج أيضًا من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد به ولفظه:"تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
وأخرج أيضًا من حديث حبيب بن أبي ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد به ولفظه:"يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق".
قال أبو زكريا النووي في شرحه على مسلم (7/ 168) : هذه الروايات صريحة في أن عليًا رضي الله عنه كان هو المصيب المحق، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية رضي الله عنه كانوا بغاة متأولين، وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون لا يخرجون عن الإيمان ولا يفسقون وهذا مذهبنا. ا هـ.
وقال أبو العباس بن تيمية كما في الفتاوى المجموعة له (4/ 467) : فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه على الحق، وأن عليًا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. ا هـ. وذكر نحو هذا ابن العربي في العواصم ص 307 الطبعة الكاملة.
وقال أبو الفداء بن كثير في البداية (22) (10/ 563) : فهذا الحديث من دلائل النبوة لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه الحكم بإسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا في قتاله له وقد أخطأ وهو مأجور إن شاء الله ولكن عليًا هو الإمام المصيب إن شاء الله تعالى فله أجران. ا هـ.
قلت: ويوضح الحديث السابق ما رواه البخاري (3609) ومسلم (2214) كلاهما عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم"لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة".
وأخرج البخاري (3608) من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به ولفظه:"لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان دعواهما واحدة"، وأخرجه أيضًا (7121) من طريق أبي الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة به.
فهذا الحديث يبين الحديث السابق.
قال أبو الفداء بن كثير في البداية (9/ 192) : وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل وصفين فإنهما جميعًا يدعون إلى الإسلام وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله كما هو مذهب جمهور الصحابة ا. هـ.
وقال أبو الفضل بن حجر في الفتح 6/ 616: والمراد بهما من كان مع علي ومعاوية لما تحاربا بصفين، وقوله"دعواهما واحدة"أي دينهما واحد لأن كلًا منهما يتسمى بالإسلام أو المراد كلًا منهما كان يدعي أنه المحق. ا هـ.
قلت: قوله أو المراد أن كلًا منهما .. هذا بعيد جدًا وذلك لأنه ما من طائفتين يقتتلان في قديم الدهر وحديثه إلا وكل واحدة من الطائفتين تدعي أنها على الحق، فعلى هذا القول لا يكون للحديث فائدة (23) لأن هذا شيء واضح لا يحتاج إلى توضيح، وإنما الصواب ما قاله ابن كثير كما هو ظاهر.
ومما يؤيد الحديث السابق (24) ما رواه البخاري (2812) من حديث خالد بن عكرمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ويح عمار تقتله الفئة الباغية" (25) وأخرجه مسلم (2915) من حديث أبي سعيد عن أبي قتادة (2926) من حديث أم سلمة وجاء من طرق أخرى خارج الصحيح.