وهَبَّتْ بدَقوقا ريحٌ سوداء [1] ، فقلعتِ المنازلَ والنخل والزيتون، وقتلت كثيرًا من الناس، وامتدَّتْ إلى تكريت، ففعلَتْ [2] مثلَ ذلك، وكذا فعلَتْ بفارس، وأُخرِبَتْ شيراز، وغرق بسيراف [3] بهذه الريح مراكبُ كثيرة.
ووقع بالعراق بَرَدٌ، في كلِّ بَردة مئة درهم، سوى ما ذاب منها.
وفيها هدم الحاكمُ بِيعةَ قمامة - التي بالبيت المقدَّس - وغيرَها من البِيَع والكنائس بمصر والشام، وألزمَ أهلَ الذمَّة الغيار [4] [قال هلال بن الصابئ: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الخضر المصري قال: ] وكانت العادةُ جاريةً بأن يخرج النصارى من مصر في كل سنة في العماريات إلى القدس؛ لحضور فِصْحِهم [في بِيعة قمامة] ، فخرجوا في هذه السَّنة على العادةِ مُظهرين التجمُّلَ كما يخرج الحاجُّ إلى مكة، فسأل الحاكم خَتَكين العَضُدي [الداعي، وكان بين يديه عن أمر النصارى في قصد هذه البِيعة، وكان قد عرف أمرَها لمَّا كان يتردَّد إلى الشام] ، فقال: يا مولانا، هذه بِيعةٌ يُعظِّمها النصارى ويقصدونها - يوم فِصْحِهم - من كلِّ المواضع، وربما صارَ إليها ملوكُ الروم متنكِّرين، ويحملون إليها الأموال والثياب [والستور والفُرش] ، ويصوغون لها القناديل والصُّلبان والأواني من الذهب والفضة، فإذا حضروا يوم الفِصْحِ أظهروا زينتَهم، ونصبوا صُلبانَهم، ورفعوا أصواتَهم، ووقع الشَّبه في عقولهم [5] أنَّ قُوَّام البِيَعة يُعلِّقون القناديلَ في بيت المذبح، ويوصِلون إليها النارَ بِدُهن البَلَسان [6] - ومن طبيعته أنَّه يجذب النار - ويجعلون فيها دُهن الزَّنبق، ويجعلون بين كلِّ قنديلٍ وما يليه حديدًا كهيئة الخيط متصلًا من واحد إلى واحد، ويطلونه بدُهن البَلَسان حتى يسري في الجميع، وعندهم أنَّ مهدَ عيسى - عليه السلام - في البِيعة، وأنه عُرِجَ به إلى السماء منه، فإذا كان يومُ فِصْحِهم
(1) في (خ) : أسود، والمثبت من باقي النسخ.
(2) في (ب) وحدها: فقلعت.
(3) تحرفت في (م 1) إلى: بشيراز.
(4) الغِيار: هو أن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونَه لونَها، وتكون الخياطة على الكتف دون الذيل معجم متن اللغة 4/ 338.
(5) في (خ) : قلوبهم، والمثبت من باقي النسخ.
(6) البَلَسان: شجر لحبِّه دهن حارٌّ يُتنافس فيه. اللسان (بلس) .