أقسمتُ لا أُقتلُ إلَّا حُرًّا ... وإن رأيتُ الموتَ شيئًا نُكْرا
كلُّ امرئ يومًا مُلاقٍ شرًّا ... أخاف أنْ أُكْذَبَ أو أُغرَّا [1]
فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تُكذبُ ولا تُغَرُّ، إنَّ القوم بنو عمِّك، ليسوا بقاتليك.
ثم حملوه على بغلة، وانتزعُوا سيفه من عُنقه، فقال: هذا -واللهِ- أوّلُ الغدر. ثم بكى، فقيل له: من يطلبُ مثلَ الذي تطلبُ إذا نزل به مثلُ هذا لا يبكي [2] ! فقال: واللهِ ما أبكي لنفسي، وإنما أبكي للحسين وأهلي حيث يُصيبُهم ما أصابني.
ثم قال مسلم لمحمد بن الأشعث: هل لكَ أنْ تبعثَ إلى حُسين، فتخبرَه أنَّ أهلَ الكوفة قد كذَّبوه وكذَّبوني، وأنه ليس لمكذوبٍ رأي. فقال: إني واللهِ أَبعثُ إليه، وأُخبِرُ ابنَ زياد أنَّني أمَّنتُك.
وبعثَ إلى الحسين إياسَ الطائيَّ بكتابٍ فيه ما قال مسلم، وأعطاه نفقةً وراحلةً، فلقيَه بِزُبالة [3] ، وأخبرَه وبلَّغه الرسالة، فقال حسين: كل ما حُمَّ [4] نازلٌ، وعند الله نحتسبُ أنفسَنا وفسادَ أُمَّتِنا.
وأقبل محمد بن الأشعث بمسلم إلى باب القصر، وأخبر ابنَ زياد بأمان محمد، فقال: إنما أرسلناك لتأتيَنَا به، لا لتؤَمِّنَه.
وكان مسلم قد عطش، وإذا بِقُلَّةٍ على باب القصر فيها ماء، فقال: اسقوني. فقال له مسلم بن عَمرو: ما أبردها! واللهِ لا تذوقُ منها قطرة حتى تذوقَ الحميم في نار جهنّم. فقال له مسلم: ويحك، مَنْ أنت؟ فقال: أنا مَنْ عرفَ الحقَّ إذْ أنكرتَه، ونصح إمامه إذْ
(1) في"تاريخ"الطبري 5/ 374:
كلُّ امرئٍ يومًا ملاقٍ شرَّا ... ويُخلط الباردَ سُخنًا مرَّا
رُدّ شعاع الشمس فاستقرًا ... أخاف أن أُكذبَ أو أُغرَّا
(2) القائل هو عمرو بنُ عبيد الله بن عباس السُّلمي، كما في"تاريخ"الطبري 5/ 374. وسلف ذكره في الخبر.
(3) زُبالة، بضم الزاي: قرية عامرة معروفة بطريق مكة من الكوفة. ووقع في (خ) : فلقيه علي بن زبالة، وهو خطأ. وينظر الكلام في"تاريخ"الطبري 5/ 375.
(4) أي: قُضِيَ.