وقال النابغة الجَعدي: [من الطَّويل]
كُلَيبٌ لَعَمْري كان أكثرَ ناصرًا ... وأَيْسَرَ ذَنْبًا منك ضُرِّج بالدَّمِ
رمى ضَرْعَ ناب فاستمرَّ بطَعنةٍ ... كحاشيةِ البُرْدِ اليَماني المُسَهَّمِ
وقال لجسَّاسٍ أغِثني بشَرْبَةٍ ... تَدارَكْ بها مَنًّا عليَّ وأَنْعِمِ
فقال تَجاوزْتَ الأَحَصَّ وماءَه ... وبطنَ شَبْيثٍ وهو ذو مُتَرَسَّمِ [1]
ولما قُتل كُليب، ارتحلت بنو شَيبان، فنزلوا بماء يُقال له: النِّهْي، واستعدَّ عَديُّ بن ربيعة أخو كُليب لحرب بَكْر، ويقال له: المُهَلْهِل؛ لأنَّه أوَّلُ من هَلْهَلَ الشعر؛ أي: أَرَقَّه، وجمع مُهلهل قومَهَ، وحَرَّم الشرابَ والنساءَ والغزلَ والقِمار، حتَّى يأخُذَ بثأر أخيه، وهو القائل: [من الكامل]
نُبِّئْتُ أن النار بعدك أُوقِدت ... واسْتَبَّ بعدك يا كُليبُ المَجْلِسُ
وتكلَّموا في أمرِ كلِّ عَظيمةٍ ... لو كُنتَ شاهِدَهُم بها لم يَنْبِسوا [2]
ولما استعدَّ مُهَلْهِلٌ لحرب بَكْر، أرسل رجالًا من قومه إلى بني شيبان يُعذِر إليهم، فأَتَوْا مُرَّةَ بن ذُهل بن شيبان، وهو في نادي قومه، فقالوا: لقد ارتكبتُم عظيمًا بقتلكم كليبًا بنابٍ من النوق، فقطعتُم الرَّحم، وانتهكتُم الحُرْمَة، وإنَّا كرهنا العَجَلةَ عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خِلالًا، قال: وما هي؟ قالوا: إما أن تُحيوا لنا كُليبًا، أو تدفعوا إلينا جسّاسًا وعمرًا أو هَمَّامًا -يعني أخا عَمرو- أو تمكِّنّا من نفسك، فإن بها وفاء من دمِه. فقال مُرَّة: أما إحياؤنا كليبًا فهذا من السَّفَه، لأنَّه تكليفُ ما ليس في الوسع، وأمَّا جَسّاس فإنَّه غُلامٌ طعن طَعنةً على عَجَل، وركب فرسَه، ولا أدري إلى أين ذهب ومعه عمرو، وأمَّا همّام فإنَّه أبو عشرة، وأخو عشرة، وعمُّ عشرة، كلُّهم فرسان قومهم، ولن يُسلموه لي فأدفعه فيُقتَل بجريرة غيره، وأما أنا فلا ناقةَ لي في هذه ولا جَمَل، ولا جنيتُ جنايةً فأُسلم نفسي، وما هو إلَّا أن تَجول الخيلُ، فأكون أوَّلَ قتيل بينهم، فلِمَ أَتعجَّلُ الموتَ، ولكن لكم عندي خصلتان:
(1) ديوانه 142 - 145، والنقائض 906، والعقد 5/ 215، والأغاني 5/ 33 - 34، ومعجم ما استعجم 3/ 780. المسهم: الخطط بصورة على شكل السهام.
(2) شرح ديوان الحماسة 929، والكامل 412، والتعازي والمرائي 290، والعقد 3/ 298، والأمالي 1/ 95.