الصفحة 65 من 202

ويدل على ذلك أن الله - عز وجل - ذكر بعض أفعال العباد بصيغة الماضي مما يدل على أنه لم يتكلم به إلا بعد فعلهم لذلك الفعل، ومنه قوله -سبحانه: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } (1) فالسماع إخبار عن أمر ماض، والمجادلة أمر ماض ويستحيل أن يتكلم الله -سبحانه وتعالى- بما سيأتي بهذه الصيغة، مما يدل على أن قوله -سبحانه- وكلامه بذلك إنما حصل بعد حصول السماع والمجادلة.

ويدل على هذا قوله -سبحانه: { وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) } (2) وقوله: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } (3) والمراد بالمحدث: الذي أنزل جديدا؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- كان يتكلم بالقرآن وينزله شيئا بعد شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ونمثل لهذا بمثال -ولله المثل الأعلى- كتابة أعمال العباد، كان الله - عز وجل - قد كتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يعملها العباد، ثم أمر الملائكة بعد ذلك بكتابة أعمال العباد بعد أن يفعلوها، كما قال جل وعلا { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } (4) .

ومن هنا نعلم خطأ من قال: إن جبريل -عليه السلام- نقل القرآن من اللوح المحفوظ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، أو من هذا المكتوب الموجود في بيت العزة في السماء الدنيا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.

وقد ألف الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى- رسالة في بيان خطأ هذا القول وبيان مخالفته لمعتقد أهل السنة والجماعة .

(1) - سورة المجادلة آية: 1.

(2) - سورة الإسراء آية: 106.

(3) - سورة الأنبياء آية: 2.

(4) - سورة الانفطار آية: 10-12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت