وهو أمر لا يُفطن له لبعد فئات من الناس عن المنهج الرباني، فكم من علوم مفيدة وأعمال جليلة للأمة، لم يستفد أصحابها منها شيئًا ،وذهبت أدراج الرياح،وكانت هباءً منثورًا؛ لأن أصحابها لم يخلصوا في علومهم وأعمالهم، ولم يجعلوها في سبيل الله، ولم يكن همهم نفع إخوانهم المسلمين بها، إنما كان غرضهم نيل منصب أو جاه ونحو ذلك، ولذلك استحقت أن تكون هدرًا، فقد ينتفع أولئك بعلومهم ومعارفهم في الدنيا، من مدح وثناء ونحو ذلك، ولكن ذلك عاقبته إلى زوال ،ولعل الحديث الذي رواه أبو هريرة يجسد ذلك المعنى: فعن أبي هريرة > قال: قال النبي ^:"إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ ،رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ،قَالَ:فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ،ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ،وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ ،وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ:فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ:تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ،وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ،قَالَ: كَذَبْتَ ،وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ ،وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ ،فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ" [1] .
(1) أخرجه مسلم: (1905) ، الألباني،صحيح سنن الترمذي, مكتبة المعارف، الرياض، ط الأولى، 2003م: (2382) , وصحيح سنن النسائي للألباني: (3137) , والمسند للإمام أحمد: (8078) .