ألم تتحول علمانية مراد وهبة إلى مطلق هي أيضًا ينفي المطلقات الأخرى؟ فإذا قرر هو وشيعته أن"العلمانية هي الحل"وقرر المسلمون بشكل مطلق أن"الإسلام هو الحل"وقررت إسرائيل أن"التلمود هو الحل"أفلا تدخل العلمانية هنا طرفًا جديدًا فيما يسميه"صراع المطلقات"، وبالتالي فإن أية رؤية تُطرح على أنها الحل هي بنظر أصحابها مطلق على الآخرين أن يرضخوا لها، وهكذا فإنه لا خلاص من المطلق، ولا بد من مطلق واحد تذعن له كل الأطراف المعارضة ( [14] ) .
ونتساءل مرة أخرى: هل حربنا مع إسرائيل هي حرب مطلقات؟ في الواقع لا، لأننا نحن لا نحارب إسرائيل لندخلها في مطلقنا الإسلامي، وإسرائيل لا تحاربنا لتدخلنا في مطلقها اليهودي، نحن نريد أن نستعيد أراضينا المغتصبة - في إطار وعود ومؤامرات دبرت - على مرأى ومسمع من كل العالم، ونريد أن يعود الشعب المشرد الطريد في كل بقاع العالم إلى أرضه ودياره، ويريد الشعب المضطهد المقموع أن يتخلص من الاضطهاد والقمع، ويتمتع بحريته وكرامته واستقلاله، فأين المطلقات في هذا الصراع؟ وإذا كانت حربنا مع إسرائيل حرب مطلقات فإن هذا يعني أنه لا يوجد خلاف بين شخصين في محكمة إلا ويمكن تسميته أيضًا"صراع مطلقات"، وأن الإنسان الذي يأتي ليغتصب منزل مراد وهبة أو يعتدي على أسرته أو حتى على حياته، على مراد وهبة ألا يدافع عن نفسه - طبقًا لعلمانيته أو لنسبيته - حتى لا يدخل في صراع المطلقات.
ولكن الأمر المستغرب في هذا العصر عصر الغرائب أن الضحية التي تُذبح وتُخنق هي التي توصم بالعنف والإرهاب والعدوان، أما الجاني فهو داعية الحرية والديمقراطية ورافع لواء التحضر، وراعي السلام!!
أرأيت لو أن شخصًا قام يخنق شخصًا آخر، وبالطبع فإن المخنوق سوف يدافع عن نفسه بأظافره وأسنانه، وربما يتسبب في بعض ال [15] خدوش التي تلحق خانقه،أرأيت لو أن الجاني قام بعد أن يفرغ من ضحيته وعقد مؤتمرًا رام فيه أن يقنع الناس بأن الضحية كان إرهابيًا عنيفًا عدوانيًا، لماذا؟ بسبب هذه الخدوش والجروح التي لحقت به!!. أليس هذه مهزلة!!؟ إن هذا ما يحدث اليوم في غابة البشر، ولكن لا عليك فنحن في عصر المهازل!.
نحن أمة تُذبح وتُباد وتُخنق وبدلًا من أن يتصايح أبناؤها للجهاد، وينفروا خفافًا وثقالًا بأموالهم وأنفسهم، تجد دور النشر ومؤتمرات الحوار ورهط كبير من الباحثين يدعون إلى اللاعنف، واللاإرهاب، واللاعدوان!! رضي الله عن سعد بن معاذ!!.
د. أحمد إدريس الطعان- كلية الشريعة - جامعة دمشق
بريد إلكتروني:[email protected]
( [1] ) سلامة موسى"اليوم والغد"ص 239.
( [2] ) السابق: ص 58 - 63.
( [3] ) السابق: ص 257.
( [4] ) انظر: السابق ص 229 - 231.
( [5] ) انظر: د. طارق حجي"الثقافة أولًا وأخيرًا"ص 111.
( [6] ) انظر: د. طارق حجي"الثقافة أولًا وأخيرًا"ص 25. ملاحظة: قد تكون هذه الدولة هي التي دعا إليها القذافي تحت اسم"إسراطين".
( [7] ) انظر: د. مراد وهبة"ملاك الحقيقة المطلقة"ص 366.
( [8] ) السابق ص 29.
( [9] ) انظر:"السابق"ص 353.
( [10] ) علي حرب"نقد النص"ص 22.
( [11] ) انظر: السابق ص 23.
( [12] ) انظر:"السابق"ص 366.
( [13] ) إن كلمة إرهاب في القرآن ذات مدلول إيجابي وهو الردع) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (( الأنفال:60) عندما يكون الإرهاب من أجل الدفاع عن الحق أو الحصول عليه فنعم الإرهاب هو. ولكن الكلمة شُحنت بمعاني سلبية دموية تتبادر إلى الأذهان بسبب الترويج الإعلامي الغربي والعربي المستمر والمتكرر.
( [14] ) لقد تجلى ذلك فيما آلت إليه العلمانية في أبرز صورها وذلك في الغطرسة الأمريكية التي كشرت عن أنيابها بكل صراحة في غزو العراق ورفضت الإذعان لمقررات الأمم المتحدة التي هم واضعوها ولكنها لم تعد تخدم مصالحهم فأصبحت الرؤية الأمريكية اليوم هي المطلق الذي يجب على كل الآخرين الإذعان له وإلا واجهوا الموت تحت وابل القنابل الذكية. وهكذا لم تجد العلمانية مفرًا من المطلق.