ثالثًا - لقد اعطته سورة يوسف تلك الفكرة المغايرة عن امكانية النجاح في قرى أخرى، مدن أخرى غير قريته ومدينته. فيوسف لم يتحقق حلمه الا في مصر، وربما لو ظل في مجتمعه البدوي - العبري - لما تحقق له حلم ولا نجاح لكنه عندما نجح في مصر: وفيها ارقى حضارة في ذلك الوقت - استطاع ان يستقطب ويجذب ابناء عشيرته من البدو الرحل، الذين استوطنوا مصر وتقلبوا في ظروف مختلفة خلال بضع مئات من السنين إلى ان خرجوا من موسى.
ان تلك الفكرة المغايرة جعلت من بصيرته عليه افضل الصلاة والسلام تتفتح لتر ان مكة ليست الساحة الوحيدة للدعوة: وان امكانية النجاح في اماكن أخرى قد تكون اوفر.
رابعًا - لقد لمحت سورة يوسف إلى اهمية الانتقال من المجتمع البدائي - الرعوي، مجتمع الصيد والرعي- إلى مجتمع اكثر تقدمًا من النواحي الإنتاجية:زراعي مستقر مثلا كما هو في وادي النيل .. ، ولقد اثبت سياق السورة تفوق ليوسف في هذا المجال عندما قدم نصيحته للملك بخزن القمح في مواجهة سنين جفاف متوقعة.
خامسًا - تقدم السورة في سياق مختلف، رغم كل الصعوبات التي تواجه يوسف، لغة هادئة، ومشاهد تكاد تعارض مشاهد سابقة في سورة هود: فبعد مشهد الاب - نوح المفجوع بأبنه مرتين مرة لكفره ومرة لغرقه، هناك مشهد معارض في سورة يوسف: مشهد حميم بين يوسف ويعقوب في بداية السورة واخر في نهايتها.اذن ليس كل الابناء كفرة - وليس كلهم عاقون.
وحتى الاخوة الذين تآمروا على يوسف ورموه في البئر، حتى هؤلاء، اتى عليهم حين من الدهر ليعلنوا فيه توبتهم وندمهم .. وصلحهم.
.. وكان ذلك جديدًا كله.
لقد أعطى التفاعل مع معطيات التفكير التي افرزها الخطاب القرآني ابعادًا جديدة، ومساحات عذراء، وآفاق اوسع ..
وفي تلك الفترة تحديدًا التي اعقبت هذا التفاعل المبدع الايجابي، حاول الرسول (صلى الله عليه و سلم) نقل الدعوة إلى الطائف، ولكنها محاولة قوبلت بصدود مماثل لما حصل في مكة. ثم حاول مع اهل يثرب.
وهناك: كان ما كان.
عبر هذا الفهم المغاير لسورة يوسف وموقعها ضمن سلسلة يونس - هؤلاء بالذات، في المرحلة الصعبة من الدعوة التي تلت وفاة ابي طالب وخديجة وافتتان المؤمنين بالاسراء والمعراج-عبر هذا الفهم المغاير يمكن معرفة كيف استطاعت هذه السورة المختلفة تغيير معطيات التفكير وتوسيع الافاق والمديات النفسية للرسول الكريم عليه افضل صلاة و اتم تسليم - وكيف استطاعت على الاخص ان تتفاعل معه ايجابيًا لتزرع في داخله الاحساس بجدوى العمل بعد عشر سنوات واكثر من الصدود. بل تؤشر له على خارطة العمل والامل ترسم في دواخله صيغًا متعددة الالوان والرؤى بدلًا من النظرة الاحادية واللون المتكرر .. ، هذا بينما لاتقدم السورة - عندما تعزل عن سياقها هذا - اكثر من (حدوتة) حكاية بالمعنى التقليدي، مسلية ومثيرة نعم- لكنها لاتقدم لنا شيئًا عن التفاعل النبوي معها، عن اثارها الايجابية، عن اعماقها الكامنة، وطاقاتها التعبوية- القائمة لحد الان.
من كتاب البوصلة القرآنية - الدكتور احمد خيري العمري دار الفكر دمشق