وبعبارة أخرى: إذا كان الغرض التأثير فالبلاغة تقضي بأن تضرب الأمثال لما يراد تحقيره بحقيرها ولما يراد التنفير بما اعتادت النفوس النفور منها، فالملاك هو كون المثل مفيدًا لما يريد المتكلم تحقيقه، من غير فرق بين حقير الأشياء وكبيرها، وهو سبحانه يشير إلى ذلك المعنى بقوله: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة) (بل) فوقها في الصغر كالجراثيم التي لا ترى إلا بالمجهر، كما تقول: فلان لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه أي مما فوقه في القلة.
ولو أريد ما فوقه في الكثرة يقول مكانه (فضلًا عن الدرهم والدرهمين) .
فما في كلام بعض المستشرقين من أن الصحيح أن يقول (فما دونه) غير تام. للفرق بين قوله: (فما فوقه) وقوله (فضلًا) والأول بقرينة المقام بمعنى فما فوقه في الصغر والحقارة لا بمعنى (فضلًا) .
وربما تفسر الآية بأنه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها في الكبر، ولكن الأول هو الأوفق لمقصود المتكلم. كما يقال عند لوم المتجري: بأنك تقترف جريمة لأجل دينار بل فوقه، أي نصف دينار، والمراد من الفوقية هو الفوقية في الحقارة.
وقد أورد الزمخشري على نفسه سؤالًا، وهو: كيف يضرب الله المثل لما دون البعوضة وهي في النهاية في الصغر؟ ثم أجاب:
إن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله (ص) مثلًا للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلا تحركها فإذا سكنت، فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان مَن يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة، وتفاصيل خلقتها، ويبصر بصرها، ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون.
وقال البيضاوي: لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل عقب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له والشرط فيه، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر، والخسة والشرف، دون الممثل، فان التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له، ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فان المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم، لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم، وإن كان المثل أعظم من كل عظيم، كما مثل في الإنجيل على الصدور بالنخالة، والقلوب القاسية، بالحصاة، ومخاطبة السفهاء، بإثارة الزنابير، وجاء في كلام العرب: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوض.
وربما يتصور أن التمثيل بالأشياء الحقيرة الخسيسة لا يليق بكلام الفصحاء، وعلى هذا فالقرآن المشتمل على النمل والذباب والعنكبوت والنحل لا يكون فصيحًا فضلًا عن كونه معجزًا.
وأجاب عنه صدر المتألهين الشيرازي (المتوفى عام 1050هـ) بقوله: إن الحقارة لا تنافي التمثيل بها، إذا شرط في المثال أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي يستدعي التمثيل به كالعظم والحقارة، والشرف والخساسة، لا على وفق مَن يوقع التمثيل ويضرب المثال لأن الغرض الأصلي منه إيضاح المعنى المعقول، وإزالة الخفاء عند إبرازه في صورة المشاهد الحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ولا يزاحمه، فان العقل الانساني ما دام تعلقه بهذه القوى الحسية لا يمكنه إدراك روح المعنى مجردًا عن مزاحمة الوهم ومحاكاته، لأن من طبعه كالشياطين الدعابة في التخييل وعدم الثبات على صورة.
ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، وفشت في عبارات الفصحاء من العرب وغيرهم، وكثرت في إشارات الحكماء ومرموزاتهم، وصحف الأوائل ومسفوراتهم، تتميمًا للتخيل بالحس، فهناك يضاعف في التمثيل، حيث يمثل أولًا المعقول بالمتخيل، ثم يمثل المتخيل بالمرسوم المحسوس المهندس المشكل.
ثم إنه سبحانه يذكر أن الناس أمام الأمثال على قسمين:
المؤمنون: وهم الذين قال سبحانه في حقهم: (فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم) .
(يُتْبَعُ)