فيها! فرتيون وماديون وعيلاميون والساكنون ما بين النهرين واليهودية وكبدوكية وبنتس وآسيا وفريجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبية التي نحو القيروان والرومانيون المستوطنون، يهود ودخلاء كريتيون، وعرب نسمعهم يتكلمون بألسنتنا بعظائم الله. فتحير الجميع وارتابوا قائلين بعضهم لبعض: ما عسى أن يكون هذا! < (17) .
ونقرأ كذلك في أعمال الرسل عن طلب بولس من قائد القلعة بأورشليم مخاطبة الشعب، وسؤال القائد له إن كان يعرف اليونانية، وجواب بولس بأنه يهودي من طرسوس. وحديثه إلى الشعب بالعبرية، حسب النص العربي لأعمال الرسل، وبالآرامية، حسب الترجمات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية (18) .
ونقرأ أن شاول كان يخاطب اليهود المتكلمين باللغة اليونانية ويجادلهم: >وكان يخاطب ويباحث اليونانيين فحاولوا أن يقتلوه< (19) .
هذه جملة من نصوص العهد الجديد وردت فيها إشارات إلى لغات ساكنة فلسطين زمن البعثة، وبعدها. ونحن حين نقرأ سيرة عيسى في الأناجيل الأربعة، نجده يخاطب فئات مختلفة من الناس، فقد خاطب عامة الناس من مختلف المدائن والبوادي، وخاطب أعضاء المجلس الأعلى ومعلمي الشريعة والقائمين على تسيير الهيكل وإدارة الشؤون الدينية اليهودية. كما خاطب الحاكم الروماني لفلسطين، وكانت لغة هذا الحاكم اللاتينية، وهو الذي كتب، حسب إنجيل يوحنا، عبارة"هذا ملك اليهود"باللاتينية واليونانية والعبرية على أعلى الصليب.
وقد خاطب أيضًا المرأة الكنعانية التي توسلت إليه أن يشفي ابنتها. وتوجه بالآرامية إلى ابنة رئيس المجمع قائلا:"طليثا قومي"أي يا صبية قومي، والطليثة الصبية الضعيفة (20) .
كما خاطب الناس بالأمثال (21) مع ما يقتضيه هذا الفن من الحديث من دقة العبارة، وإلمام واسع باللغة لدى كل من المنشئ والمتلقي.
وحسب الرؤية الإنجيلية، توجه عيسى إلى ربه وهو على الصليب بالآرامية: >إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني< (22) . كما خاطبته مريم المجدلية بالعبرانية.
هذه المعطيات جميعها تبين أن أغلب حديث عيسى كان باللغة الآرامية، وهي اللغة الشعبية التي كانت شائعة أكثر من غيرها. ثم يتلوه حديثه باللغة العبرانية، لغة العهد القديم، سيما وأنه هو القائل:"ما جئت لأنقض الناموس، بل لأكمله" (23) . وقد جاءت الأناجيل الأربعة حافلة بإشاراته إلى كلام الأنبياء وبخاصة إشعياء وأرمياء.
كما يبدو أنه كان مثقفًا باللاتينية والإغريقية، وذلك من الشائع في عصره، وتدل على ذلك قصة ترجمة عبارة"هذا ملك اليهود"التي حرص بيلاطس على أن تكون بالعبرية (أو الآرامية، حسب بعض الترجمات) .
أما قصة تعليم الروح القدس اللغات للرسل والتلاميذ ليكلموا الناس، كلاًّ بلغته الخاصة، فهي من قبيل الأسطورة. وإذا ما سلمنا جدلًا بصحتها، فسنفهم منها أن الناس، إذا كانوا حريصين على تدوين ما يسمعون من الرسل، فإن بشارة عيسى (إنجيل عيسى الأصلي) تكون قد دُوِّنت في سبعة عشر لسانًا.
حقًا لقد خضعت المنطقة التي شهدت بعثه المسيح عيسى، عليه السلام، لتأثير هلينيٍ واضحٍ، أرسى قواعده هيرودس. ولكن عيسى أرسل إلى قوم محددين، قال:"لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (24) .
وبالتالي فرسالته كانت بلسان قومه، وكذلك كان كلامه في المهد أيضًا بلغة قومه، لأن المقصود من ذلك الحدث إشهاد القوم معجزة، فلابد وأن يكون قد تكلم بلغة يفهمونها.
زمن البعثة
شاء الله تعالى أن يبعث عيسى، عليه السلام، رسولًا إلى بني إسرائيل، مبشرًا ونذيرًا، فقد كان بنو إسرائيل منقسمين آنذاك إلى طرائق قددًا، وأحدثوا في الشريعة وبدلوا كلام الله عن مواضعه، واستغل أحبارهم علوم الدين فاستثمروها لملء خزائنهم.
كانت بعثته، عليه السلام، في أرض فلسطين المباركة التي كانت في ذلك الحين مسرحًا تجاذبته تأثيرات الإمبراطوريات العظيمة. وكان من نتائج ذلك أن فقدت فلسطين استقلالها السياسي، فخضعت للمصريين في المائة الثانية قبل الميلاد، ثم استسلمت للحكم الروماني، حينما وطئت سنابك خيل"بومبي الروماني"القدس سنة 63 قبل الميلاد.
(يُتْبَعُ)