أن كفار قريش كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، وهي في واقع الأمر كانت صورًا منحوتة في الصخور لرجال صالحين كانوا يعبدون الله على دين الحنيفية، دين إبراهيم عليه السلام، ولكن مع طول الأمد، وغواية الشيطان لهم، أخذوا يعتقدون فيها وأنها تقربهم إلى الله ببركة أصحابها الصالحين، فأخذوا يقربون القرابين لها، ويعبدونها مع الله، فأصبحوا بذلك مشركين، فمنهم من أسلم مع النبي، ومنهم من بقي على كفره وعناده، فقال الله سبحانه وتعالى (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) أي الأمر عندهم سيَّان لأنهم لم ترد قلوبهم سماع الحق ولا إتباعه.
الوقفات
1 -الكفر هو الغطاء الذي يغطي القلب فهؤلاء مغطاة قلوبهم عن الحق.
2 -مهمة الرسل البلاغ فقط، وفي هذا درس للدعاة لدين الله.
3 -الران الذي على قلوب الكفار من شدة إعراضهم عن دين الله جعل قلوبهم منكرة للحق مقبلة على الباطل فأصبحت الأمور لديها متشابهة سواء دعيت وأنذرت أم لم تنذر فلن تفتح للإيمان.
(1) سورة القصص: 50.
(2) سورة فاطر: 8.
آيات ووقفات (الحلقة الثانية عشرة)
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (8)
وهذا هو المانع الشديد، والحائل المحيد، عن الطريق السديد، ذلك الطبع وهو الختم الذي جعله الله بسبب كفرهم (2) . فلا يدخلها الإيمان، ولا تقر به أنفسهم، ولا تعرف الطريق إليه، قال مجاهد (ختم الله على قلوبهم) قال: الطبع ثبتت الذنوب على القلب فحفت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع والطبع الختم. وجاء في حديث حذيفة رضي الله عنه في الصحيح أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تعرض الفتن على القلب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" (3) . أما أسماعهم فجعلها مغلقة عن سماع الحق، معرضة عنه، فلا يهتدون إليه، وأبصارهم عليها غشاوة، فلا ترى الحق، ولا تتحقق من وجوده، إذ هي معمية عنه فيكون الكافر والعياذ بالله أعمى البصر، ومطموس البصيرة. ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد الوعظ والبلاغ، فقد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من على الصفا لما أمره الله بالجهر بالدعوة فجمع أهل قريش، وقال لهم إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، فقال له أبا لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟، والحوادث كثيرة، وإيذاء أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحاولات قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا والعياذ بالله زيغ منهم فكان جزاء لهم أن أضل الله قلوبهم (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) لأنهم لم تفدهم المواعظ، وأساليب الدعوة المختلفة، حتى أن رسول الله بقي يدعوا قومه ثلاثة عشر عامًا، فما آمن معه إلا قليل، ومعروفه قصته حينما ذهب إلى الطائف، وأدموا جهلتها قدماه الشريفتان، وفي هذا تذكير للدعاة، أن الطريق شائك، والأعداء كثير، والشهوات محفوفة بالنار، والجنة محفوفة بالمكاره، والطريق غير ممهد، والقلوب مختلفة، فلا يحسب الداعية أن الدعوة سهلة المنال، ولا أن يتوقف عنها لأن هؤلاء الناس لن يهتدوا لختم الله على قلوبهم، ولكن يجب عليه التحلي أولًا بالعلم الشرعي الصحيح، ثم بالحلم، والصفات العظيمة التي كان يتصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يضع في باله أنه يجب على من بلغ أن يهتدي، كلا الأمر ليس كذلك، ولكن عليه أن يبلغه بالعلم الشرعي، والوسائل المتاحة اليوم، من وسائل الاتصالات المختلفة، فبالإمكان الآن أن ترسل أي ملف صوتي أو مرئي إلى أي جهة في العالم، ومن أي جهاز حاسوب كان فالدعوة ليست مقصورة في مكان معين، أو بطريقة واحدة فقط. إننا اليوم نتمتع ولله الحمد بالبرامج الكثيرة، والكتب الموضوعة في شبكة الإنترنت، والتي اختصرت الكثير من الأوقات في البحث، والتأصيل، والتخريج، والتفسير، والترجمة كل ذلك موجود في البرامج الحاسوبية، والمواقع المنتشرة في الإنترنت.
(يُتْبَعُ)