نهض من مكانه بعد أن أحس بالملل من تشغيل الجهاز الذي يبدو أنه كان يعاني من آثار الرطوبة والبلل في أجزائه الداخلية ويحتاج إلى فترة مناسبة وجو حار حتى يجف على مهل ... ثم توجه ناحية البحر ووقف على حافة الموج ويرميه بالأصداف التي يلتقطها من على تراب الشاطئ، ونظره باتجاه الشمال .. هناك خلف المحيط، وبدأ يملأ رئتيه بالهواء النقي ويفكر مليًا فيما وراء هذا المحيط المخيف ..
يا ترى ماذا يدور هناك في بلدي الآن!!؟ هل بلغهم خبر غرق السفينة أم لا!!؟ وهل يدرون أنني لا زلت على قيد الحياة في جزيرة كئيبة غائرة!!؟
ثم بدأ يفكر في كل شيء .. أمه المشلولة .. أخته الصغيرة رغد .. جدته العجوز ودجاجاتها المضحكة حين يطاردهن في ساحة القصر .. والده .. إخوته .. زملائه وأصدقائه ..
ثم تذكر سيرين!!
فتوقف عن التفكير قليلًا وبدا عليه التجهم والعبوس والقلق ..
يا ترى أين هي الآن!!؟ هل نجت مع الناجين وتمكنت من الوصول إلى مكان آمن!؟ ولماذا تركت في يدي جهاز البث في اللحظة الأخيرة!؟
ثم انهالت عليه أعداد من الأسئلة المتسلسلة التي لا تنتهي ...
طال به المقام على الشاطئ حتى دنت الشمس من الاختفاء خلف الماء مخلفة وراءها هالة حمراء عظيمة سدت الأفق .. فقفل راجعًا يجر رجليه إلى كوخه، وراح يحاول في الجهاز من جديد وينادي ويردد عبارات النجدة والاستغاثة بصوت عال ٍ جدًا وسط الظلام في هذا الفراغ المهجور من الجزيرة.
وجد في الكوخ مصباحًا قديمًا يعمل بالشمع المذاب والقَطِران وفي وسطه تدلى فتيل رطب .. ثم وجد عود ثقاب وسط الأدراج أشعل به المصباح، وجلس على سريره دون حراك وسدد نظره باتجاه الجهاز الصامت .. وفي يده أخفى السكين تحسبًا لأي طارئ في هذه الجزيرة النائية المخيفة ..
أعياه التعب والإرهاق ثم غط غطة يسيرة نحوًا من ساعة أو يزيد .. ثم قفز فجأة من مكانه على أثر تسرب أصوات ضعيفة وكأنها بداية بث هوائي من هذا الجهاز الصامت الذي بدأت تدب فيه الحياة .. أو هكذا خيل إليه في بادئ الأمر!!!
بدأ يصرخ في وجه الجهاز بانفعال وكأنه يلاحق الموجة .. ألو ألو .. هل تسمعني!!؟ ألو هل تسمعني!! أنا كريم هل يسمعني أحدكم!!؟؟
ظل يحاول قرابة النصف ساعة وكأنه رجل فقد عقله وسط الظلام ... !!
يبدو أنه كان يحلم .. ثم بدأ يضرب الطاولة والسرير والجدران بيديه ورجليه بحركات هستيرية منفعلة وهو يبكي من خيبة الأمل ..
ثم توقف فجأة عن الحراك!!؟؟؟
أحس بحركة خفيفة بين الأشجار خارج الكوخ .. أطل بوجهه من النافذة وبيده المصباح يمده في وجه مصدر الصوت ..
من هناك .... !!!؟؟؟
ثم تجاسر وخرج خارج الكوخ وبيده السكين .. غيوم .. أهذه أنتي .. !!؟؟ غيوووم ... !!
يبدو أنه لا أحد بالخارج أيضًا!!؟؟
ثم عاد إلى الداخل وأغلق الباب والنافذة.
صوت حفيف الأشجار يدل على وجود أحد كان هنا قبل لحظات أستتر بالظلام وقد دنى فعلًا من الكوخ وانخنس بين الأشجار الكثيفة التي تحيط بالكوخ من ناحية الغابة يراقب كريم .. ثم لما خشي أن يفتضح أمره ابتعد بخفة النمر الأسود وهدوئه!!
كانت غيوم تشعر بالأسى واللوعة وهي ترى كريم يحاول جاهدًا بعث رسالة استغاثة بهمة وعزم وتصميم .. إن هذا يعني بالنسبة إليها أنه يفكر بالرحيل .. وهذا الشعور وحده كان كفيلًا بتحطيم كل أمل حي ولد في صدرها منذ أن التقت عيناها في عينيه على الشاطئ هذا الصباح.
لقد أحست بدفءٍ يسري في عروقها للمرة الأولى في حياتها وكأنها رأت في عينيه عالمًا آخر لم تعشه من قبل .. وكأن مشاعرها آنذاك قد تدفقت إليه دفقًا متواصلًا يروي عينيه و يملأ صدره!!
نعم .. هكذا بكل بساطة .. وهكذا بكل وضوح وعفوية وطهارة ...
أما كريم فقد بات ليله يحاول جاهدًا مع هذا الجهاز الأخرس اللعين دون جدوى .. وقد عزم أخيرًا على زيارة القرية في الصباح الباكر لعله أن يجد أحدًا من أولئك البحارة الذين تكلمت عنهم غيوم يعرف كيف يتم تشغيل هذا الجهاز ..
ساعة تلوح في خياله بلدته، وأمه، وأهله، وحياته، وحضارته هناك .. وساعة تقفز إلى خاطره العنيد صورة غيوم وهي تتبسم!!
أما غيوم نفسها، فقد عادت إلى كوخ أمها المريضة وباتت ساهرة هناك حتى الصباح، ترقب النجم بعين العروس الخائفة، وقد تعلق قلبها البكر بابن الحوت هذا!!
(يُتْبَعُ)