أيُّها المجاهدون ، فلا تستسلموا لهم ، وتُسلموا أنفسكم إليهم ، وتمكّنوهم منكم ، وتجعلوا للكافرين سبيلًا عليكم ، بل قاتلوا ثمَّ عيشوا أعزَّةً ، أو موتوا كرامًا ، والمنيَّة ولا الدنيَّة , واعلم أن الدخول في ولايةِ كافرٍ وتحتَ يدِه اختيارًا محرَّمٌ ، ولذلك وجبتِ الهجرةُ ، وحرُمت تولية الكفَّار المناصب على المسلمين ، ولم يصحّ تملّك الكافر لعبدٍ مسلمٍ ، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} ، و"الإسلامُ يعلو ولا يُعلى". وقد استثنى أكثر أهل العلم حالةً واحدةً من هذه القاعدة ، هي ما بوَّب عليه البخاري في صحيحه فقال:"باب هل يستأسرُ الرَّجُلُ؟ ومن لم يستأسر"، وخرَّج فيه حديث العشرة الّذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنُذر بهم قومٌ من بني لحيان وأحاطوا بهم وعرضوا عليهم النزول في ذمَّتهم ، فنزل من نزل من الصحابة في عَهدِ المشركين ، وقال عاصم بن ثابت:"أمَّا أنا فلا أنزل في ذمَّة كافرٍ ، فقاتل حتَّى قُتل".
قال الحافظ في شرح الحديث:"للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل ، أنفة من أن يجري عليه حكم الكافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن"، وإلى التخيير ذهب جماهير العلماء ، إلاَّ روايةً عن أحمد بتحريم الاستئسار للكفَّار حكاها الآجُرِّيّ ، وجاء عن أحمد:"لا يعجبني أن يستأسر، يقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد ولابد من الموت".
ومع ذلك فالأخذ بالعزيمة أفضل وهذه هي العلة
ففي هذه الصورة التي فيها الرُّخصة ، والأفضل بالاتّفاق هو الأخذ بالعزيمة ، وعدم الاستسلام لكافر ، لما في الاستسلام من المفاسد العظيمة ، قال الشهيد يوسف العييري رحمه الله:"ولأن استسلام المجاهد مع ما فيه من الانهزام وشيء من الذل وما فيه من كسر قلوب المسلمين ، وثلمةٍ في موقف المجاهدين ، وما فيه من سرور العدووغبطته"