(3) " (المائدة) , ولقد شاع هذا الانتماء المجتزئ عند الكثيرين , وقصروا الدين على مجال العبادة , وفي المسجد وفقط , وفي وقت الصلاة وحسب , ونحّوا دين الله عن الحكم في مجالات الحياة المختلفة , وأحلوا محله أحكام البشر ودساتيرهم , فوقعوا في الشرك الذي يسميه العلماء بشرك الحاكمية , قال الله تعالى:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44"(المائدة) , وقال أيضا:"وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) " (الكهف) , وقال في موضع ثالث:"إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) " (يوسف) ."
المنهج الواجب على المسلم الانتماء إليه
في وقت كثرت فيه الأحزاب والحركات وكل يدعي أنه الحق وأنه هو السائر على الكتاب والسنة ... كل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك , في مثل هذا الوقت يحار المسلم الصادق ويتساءل: إلى أي منهج أنتمي ؟ وأي منهج اترك ؟ فأقول: انتَمِ للإسلام كما كان يمارسه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه - رضي الله عنهم - , لا كما يمارسه الحزبيون أو العلمانيون , ولا تمارسه كما يريده اليهود والنصارى , بل كما يريده الله تعالى , قال الله تعالى:"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19) " (آل عمران) , وقال أيضا:"وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) " (آل عمران) , نعم انتم للإسلام دينك ودين أبيك إبراهيم , قال الله تعالى:"وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) " (الحج) , وإن رأيت الناس يفتخرون بأنسابهم وأحسابهم وقبائلهم ومناصبهم فافخر بالإسلام , قال سلمان - رضي الله عنه -:أبي الإسلام لا أب لي سواه *** وإن افتخروا بقيس أو تميم , وقال آخر: ومما زادني فخرا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا *** دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن سيرت أحمد لي نبيا , فالفخر بالإسلام وبإخوة الإسلام وليس إلا , جاء في صحيح مسلم من حديث عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ:"أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ", ومن مستلزمات هذا المنهج دعوة الناس إلى الالتزام به , والعمل بتوجيهاته , قال الله تعالى:"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) " (يوسف) , وقال أيضا:"وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) " (فصلت) .
الانتماء وعلاقته بالبذل والتضحية
ولا يصح لمسلم انتماء إذا لم يبذل ويضح للمنهج الذي ينتم إليه , يضحي بنفسه أغلى ما يملك , ويضحي بماله , راجيا من وراء هذه التضحية جنات الرحمن - سبحانه وتعالى - , قال الله تعالى:"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) " (التوبة) , ومن المعلوم أن الصحابة ما نالوا الدرجات العلا في الدنيا والآخرة إلا يوم ضحوا بالغالي والنفيس من أجل هذا الدين , ومن هؤلاء: صهيب الرومي , الذي انخلع من ثروته للمشركين في سبيل أن ينجوا بدينه , وفيه نزل قوله تعالى:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) " (البقرة) , وكان من أجل ما تعلمناه من مشائخنا أن الإسلام شجرة لا تسقى بالماء وإنما تسقى بالدماء , ورحم الله الأستاذ سيد قطب عندما