فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 481

أنواع الإرادة وأصنافها

والإرادة على صنفين: إرادة علوية أخروية , وإرادة سفلية دنيوية , أما صاحب الإرادة العلوية فهمُّه وهدفه إرضاء الله , والوصول إلى جنته ودار كرامته , وجعل كلمته في هذه الحياة الدنيا هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى , فهو يحيا لله , وإذا ما مات يموت لله كذلك , قال الله تعالى:"قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) " (الأنعام) , وأما صاحب الإرادة السفلية الدنيوية فهو يحيا لملذاته وشهواته ويموت لملذاته وشهواته , فهو بهذا لا يختلف عن الحيوانات والأنعام كثيرا , إن لم نقل بأن الحيوانات أحسن حالا منه , قال الله تعالى:"وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) " (محمد) , وقال أيضا:"أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) " (الفرقان) , ولقد ذكر الله أن سبب ما حل بالصحابة في أحد أن بعضهم كان يحمل في جنباته إرادات دنيوية , قال الله تعالى:"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) " (آل عمران) , قال ابن مسعود: والله ما علمت أن أحدًا من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد الدنيا إلا بعد نزول هذه الآية , وهنا نود أن ننبه المجاهدين أن من أهم أسباب الهزيمة إرادة الدنيا والإقبال عليها وتقديمها على الآخرة , أخرج أبو داوود في سننه من حدبث ابن عمر أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ", فلا بد على القائد أن يزهد جنوده في الدنيا فإن وجد بعضهم متمسكا بها ولا يمكنه تركها خَلّفه وراءه , فإن الإرادات الأخروية لا يصلحها الله ولا يكتب لها التوفيق إلا إذا كانت خالصة لوجهه الكريم غير مشوبة بإرادات دنيوية , والدليل على هذا ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ", وإذا تأملت آيات القران وجدت أن الله يعرض الإرادات الدنيوية التي يهواها بنو آدم جميعا , ثم يوجهنا إلى أن ما عنده أفضل وأن الإرادة المتوجهة إليه والطامعة في ما عنده أكمل , قال الله تعالى:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) " (آل عمران) , ولا تقدم أمة مراداتها الدنيوية على المرادات الأخروية إلا استحقت العذاب العظيم من الله , قال الله تعالى:"قلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) " (التوبة) , ولا يقدم إنسان المرادات الأخروية على الدنيوية إلا استحق جنات الرحمن وبكل جدارة , قال الله تعالى:"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) " (النازعات) .

سبل تقوية الإرادة والعزيمة

وبعد أن علمنا أهمية الإرادة وحاجتنا الشديدة إليها , نتساءل ما هي سبل تقوية هذه الإرادة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت