-ولقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [116] .
قال الإمام الطبري رحمه الله: فالصواب أن يُحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عَمَّ ... إلى قوله رحمه الله:
غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي اليهود أو النصارى خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله تعالى {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله.
وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان ... إلى أن قال:
يعني تعالى ذكره بقوله {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، أي ومن يتول اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم.
يقول فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتول متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه. اهـ [117]
وقال جمال الدين القاسمي رحمه الله: قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي من جملتهم وحكمه حكمهم، وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة. اهـ [118]
وقال ابن تيمية رحمه الله: قال تعالى {ومن يتولهم منكم} فيوافقهم ويعينهم، {فإنه منهم} .
وقال أيضا في تفسير هذه الآية: والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم لا لاعتقادهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كاذب وأن اليهود والنصارى صادقون. اهـ [119]
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى {ومن يتولهم منكم} أي يعضدهم على المسلمين، {فإنه منهم} ، بيَّن تعالى أن حكمه كحكمهم؛ وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة .... إلى قوله رحمه الله: