قال الجصاص رحمه الله بعد ذكر كلام محمد بن الحسن الشيباني: وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [82] ، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله) [83] ، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ـ وروى بسنده ـ إلى أبي هريرة أنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) [84] ، وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين ولو أيقن فيه التلف والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ [85]
وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} [86] : وزعم ابن العربي أن من رجا زواله ـ يعني المنكر ـ وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده، قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فيلقتحم كيفما كان ولا يبالي، قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع، وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل، وقال تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وهذا إشارة إلى الإذاية. اهـ [87]
وقال ابن عابدين بعد أن ذكر أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن القتل: وهذا بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به، فلابد أن يكون فعله مؤثرا في باطنهم بخلاف الكفار. اهـ [88]
قلت: وهذه صورة أخرى من صور الإقدام على ما يتأكد معه الموت من أجل المصلحة الدينية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.