فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 49

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطا عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذُكروا لبني لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا أثرهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم خَبِّرعنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ـ وذكر قصة قتل خبيب ـ إلى أن قال: استجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا. [73]

قال الشوكاني رحمه الله في شرح الحديث: ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من السبعة المقتولين من الإصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من إحدى الطائفتين غير جائز لأخبرالنبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بعدم جوازه وأنكره، فدل ترك الإنكار على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوه أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر. اهـ [74]

وقال الخطابي رحمه الله في شرح الحديث: وفيه من العلم: أن المسلم يجالد العدو إذا أُرهق ولا يستأسر له، ما قدر على الامتناع منه. اهـ [75]

وذكر ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه، ولو قتل أنفة من أن يجري عليه حكم الكافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك. اهـ [76]

قال ابن قدامة: وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه بالأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة، وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة ـ وذكر خبر عاصم بن ثابت رضي الله عنه السابق ـ فعاصم أخذ بالعزيمة وخبيب وزيد أخذا بالرخصة وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم. اهـ [77]

وقال المرداوي في شرح قول ابن قدامة في المقنع"فإن زاد الكفار فلهم الفرار": قال الإمام أحمد: لا يعجبني أن يستأسر، يقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد ولابد من الموت، وقد قال عمار: من استأسر برأت منه الذمة، فلهذا قال الآجري: يأثم بذلك فإنه قول أحمد. اهـ [78]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت