فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 49

سبق بيان فضل الجهاد ووجوبه، وأن جهاد الكفار سبب العزة والكرامة وأن تركه سبب في الذلة والمهانة، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [93]

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) [94]

وقد يختلط بالكفار الذين يقصدهم المجاهدون بالقتال من ليس منهم ممن لا يحل قتلهم من المسلمين أو أهل الذمة أو النساء والصبيان وأمثالهم، فهل يُترك الجهاد المتعين والحالة هذه حذرا من الوقوع في الدم المحرم، أم أن قتل هذه الأصناف ـ عرضا لا قصدا ـ يُغتفر أمام المصالح العليا المتحققة من جهاد الكفار وأعداء الله تعالى، هذا السؤال هو محل البحث في هذا الباب فنقول وبالله التوفيق:

هذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:

المذهب الأول: وهو المنع مطلقا، وحكي عن مالك والأوزاعي وخالفه فيه متأخروا المالكية:

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} : هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن، إذا لم يكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن، قال أبو زيد: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام، وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى؟ قال: فقال مالك: لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} ، وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه، وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة، فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة .... إلى أن قال:

قال ابن العربي: وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنها الماء، فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا، فقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم، ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة، وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية وقال الشافعي بقولنا، وهذا ظاهر، فإن التوصل إلى المباح بالمحذور لا يجوز سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رحمه الله. انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت