إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، وقال تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} ، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} .
أما بعد:
فإن الله تعالى قد افترض الجهاد في سبيله على عباده المؤمنين فقال تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [1] .
وقال تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [2] .
وقال تعالى {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [3] ، وقال تعالى {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [4] .
ولقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرب خدعة بين المؤمنين وأعدائهم فقال صلى الله عليه وسلم: (الحرب خَدْعة) [5] ، وهذا من أساليب حصر المبتدأ (الحرب) في الخبر (خدعة) أي إن أساس الحرب وأهم أركانها الخداع، كقوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) [6] ، أي أهم ما في الحج الوقوف بعرفة، مع أن هناك أركانا أخرى في الحج، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) [7] .
والخداع في الحرب يقتضي من المجاهد تحين الفرص من عدوه والعمل على تجنب المواجهة كيفما أمكن، فإن الظفر إنما يكون في الغالب مع المخادعة، وإن كان الظفر يحصل مع المواجهة ولكن الخطر فيها كبير، وهذه المخادعة لا بد أن تكون منضبطة بضبط الشرع، وإلا فإن كل مصلحة لا تنضبط بضبط الشارع فليست بمعتبرة، فلا يجوز ارتكاب المحرمات بذريعة المخادعة، ولذلك قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. اهـ [8]
وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه ـ أي في الحديث ـ التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه.