فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 49

ونحن نذكر هنا بعون الله تعالى صورة هامة من صور إتلاف النفس للمصلحة العامة وهي قتل الأسير نفسه حتى لا يُفشي أسرار المجاهدين للأعداء، وسترى أن من أفتى فيها اعتمد في استدلاله بالسنة المطهرة على حديث الغلام الذي ذكرناه سابقا، وذكرنا أن العلماء يعتبرونه أصل هام في هذه المسألة.

وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله من بعض المجاهدين الجزائريين إبان حرب التحرير عن مسألة قتل الأسير لنفسه لمنع إفشاء الأسرار للأعداء وكان السؤال:

الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب ويستعملون الشرنقات إذا استولوا على واحد من الجزائريين ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تسكره إسكارا مقيدا، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط فهو يختص بما يبينه بما كان حقيقة وصدقا، فهل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة ويقول: أموت أنا وأنا شهيد مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب؟ فأجاب: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله (آمنا برب الغلام) وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة وهو مقتول ولابد. اهـ [89]

قلت: قوله رحمه الله: الشرنقات، هو ما يسميه العامة السرنجات أي الحقن التي تستخدم لحقن الأدوية والعقاقير.

وقوله رحمه الله: وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، يشير إلى مسألة احتراق السفينة في البحر هل لركابها أن يلقوا بأنفسهم في الماء اختيارا للغرق على الحريق أم لا؟ وقد جاء في المدونة للإمام مالك: قلت ـ والقائل هو سحنون يسأل شيخه ابن القاسم تلميذ الإمام مالك ـ أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو فيها أهل الإسلام أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال: بلغني أن مالكا سئل عنه فقال: لا أرى به بأسا إنما يفرون من الموت إلى الموت .... اهـ [90]

قال ابن قدامة: وإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء أنفسهم في الماء فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران فقال أحمد: كيف شاء صنع، وقال الأوزاعي: هما موتتان فاختر أيسرهما [91] ، وقد ذكرنا من قبل ما حكاه الحافظ ابن كثير عن المجاهدين الستمائة الذين أغرقوا سفينتهم وغرقوا جميعا حتى لا يقعوا في الأسر ولا يظفر الأعداء بعدتهم.

وأما قول الشيخ محمد بن إبراهيم: إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، يدل على فقهه رحمه الله حيث غلب مفسدة إفشاء أسرار المجاهدين على مفسدة قتل النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت