قال الشيخ حسن أيوب رحمه الله: الأصل في قتل النفس أنه حرام من الكبائر ـ ثم ذكر الأدلة على ذلك ـ ثم قال: فقاتل نفسه يعذب يوم القيامة عذابا شديدا طويلا، وهذا القتل يعتبر تعديا لحدود الله وظلما عظيما للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، ويعتبر فاعله ساخطا على قضاء الله وقدره وغير راض بحكم الله فيه لذلك أسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسه، وهذا النوع هو المسمى بالانتحار وحرمته لا شك فيها.
ولكن هناك حالات يقع فيها المقاتل أو الفدائي تحت أيدي عدوه، فيقوم عدوه بتعذيبه أشد أنواع التعذيب، سواء بالإحراق بالنار أو بتقطيع أجزاء من جسده أو بنفخه أو بتعليقه من خطاطيف مدلاة من السقف من رجليه بحيث يكون رأسه إلى أسفل أو بتسليط الكهرباء عليه من وقت لآخر إلى آخر هذه الأنواع التي صارت سمة كلاب العصر الحديث، والتي اخترعها النازيون والشيوعيون ونفذه جميع كلاب البشر الذين لا إنسانية عندهم ولا رحمة في قلوبهم، فما الحكم لو وقع إنسان تحت طائلة هذا العذاب هل يحق له أن ينتحر أم لا؟ الجواب: الذي أراه في هذا الموضوع الخطير أخذا من النصوص ومن أقوال العلماء هو:
1.أن الانتحار إن كان له مبرر أصيل وقوي ويتصل بأمر يخص المسلمين وينفعهم وبدونه يحصل الضرر للمسلمين فإنه حينئذ يكون جائزا، وذلك كأن يعذب إنسان من أجل الإفضاء بأسرار تتعلق بمواقع الفدائيين أو بأسمائهم أو بكشف خطط الجيش الإسلامي أو بمواقع الذخيرة أو السلاح إلى آخر ما يعتبر علم العدو به خطر على الجيش الإسلامي أو على أفراد المسلمين أو على حريمهم وذراريهم، ويرى أنه لا صبر له على التعذيب وأنه مضطر أن يفضي بهذه الأسرار أو يعلم أن الأعداء يحقنونه بمادة مؤثرة على الأعصاب بحيث يبوح بما عنده من أسرار تلقائيا بدون تفكير أو شعور بخطورة ما يقول.
ويشهد لذلك أقوال العلماء فيمن ألقى بنفسه على الأعداء وهو يعلم بأنه مقتول لا محالة، ولكنه يرى أن في ذلك خيرا للإسلام أو للمسلمين وحالتنا هذه أهم وأخطر.
2.أما إذا كان الانتحار بسبب أنه تأكد من أنهم يقتلونه ولكنهم يعذبونه قبل ذلك تنكيلا به وإغاظة للمسلمين فإنه إن انتحر في هذه الحالة فإن انتحاره يكون حراما، ولكنه لا يكون كبيرة من الكبائر ولا يبعد جوازه إلى أن قال:
وفي قصة الصحابي الذي كان مع عاصم بن ثابت ورفضه الأسر وهو يعلم أنهم قاتلوه بسبب هذا الرفض ما يشهد لذلك، وإن كان لم يقتل نفسه بنفسه وإنما قتلها بيد عدوه، والواقع أن مثل هذه الحالات لا يعتبر المسلم فيها قاتل نفسه وإنما قاتله هو عدوه، لأن عدوه هو الذي تمكن منه وهو الذي يعذبه وهو الذي لا يتركه حتى يقتله وهذا رأيي في الموضوع لأنه لا نص فيه ولم أر فيه فتوى لأحد من العلماء وربما كان هناك فتوى لم أراها. اهـ [92]
قلت: وللشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فتوى سابقة على كلام الشيخ حسن أيوب قد أوردناها سابقا.