قلت ـ والكلام القرطبي ـ قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا.
قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون، ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم والله أعلم. اهـ [95]
قال الشيخ محمد عرفة الدسوقي المالكي: إن تترسوا بمسلم قوتلوا ولم يقصد الترس بالرمي. اهـ [96]
قلت: أما قول ابن العربي رحمه الله عن الشافعي: وقال الشافعي بقولنا، فإن كان يقصد تحريم رمي المشركين إذا تترسوا بمسلمين فقد خالف فيه الصواب، فإن الشافعي رحمه الله أباح رمي المشركين إذا اختلط بهم المسلمون سواء تترسوا بهم أم لا كما سيأتي من قوله إن شاء الله.
ويُلاحظ من قول من منع من قتل الترس أن هذا المنع إنما يكون في جهاد الطلب حيث يقصد المسلمون أهل الكفر في ديارهم وهذا واضح في مناط قول مالك رحمه الله حيث كان ذلك في حصار حصن أو رمي مراكب الكفار، أما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وهذه الصورة متحققة قطعا في جهاد الدفع حيث يقاتل الكفار الذين حلوا بديار المسلمين فلا مانع من قتل من لا يستحق القتل عَرَضَا لا قصدا، حيث أن الضرر عائد على كل المسلمين إذا ترك القتال حينئذ، وهذا المعنى واضح من كلام القرطبي رحمه الله، فهذا مذهب من منع من قتل الترس.
المذهب الثاني: مذهب من أجاز رمي الكفار مطلقا وإن كان فيهم مسلمون:
وقد نقل الجصاص رحمه الله قول مالك والأوزاعي بتفصيل، فقال: وقال مالك لا تحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى من المسلمين لقوله تعالى {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} إنما صرف النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لما كان فيهم من المسلمين ولو تزيل الكفار عن المسلمين لعذب الكفار، وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين لم يرموا لقوله تعالى {ولولا رجال مؤمنون ... } الآية، قال: ولا يحرق المركب فيه أسارى المسلمين ويرمى الحصن بالمنجنيق وإن كان فيه أسارى مسلمون، فإن أصاب أحد من المسلمين فهو خطأ، وإن جاءوا يتترسون بهم رمي وقصد العدو وهو قول الليث بن سعد ... إلى أن قال: