نقل أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان وقد علم صلى الله عليه وسلم أنه قد يصيبهم، ولا يجوز تعمدهم بالقتل فدل على أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم إذا كان القصد فيه المشركين دونهم، وعن الصعب بن جثامة قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الديار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال: هم منهم) ، وكان يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزوهم فإن أذّنوا للصلاة أمسكوا عنهم، وإن لم يسمعوا أذانا أغاروا، وعلى ذلك مضى الخلفاء الراشدون، ومعلوم أن من أغار على هؤلاء لا يخلوا من أن يصيب من ذراريهم ونسائهم المحذور قتلهم، فكذلك إذا كان فيهم مسلمون، ووجب أن لا يمنع ذلك من شن الغارة عليهم ورميهم بالنشاب وغيره إن خيف عليهم إصابة المسلمين .... إلى أن قال:
وأما احتجاج من يحتج بقوله {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ... } الآية في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين، فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف، وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم لأنهم كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم، فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير، فإذًا لا دلالة فيها على حظر الإقدام.
فإن قيل في فحوى الآية ما يدل على الحظر وهو قوله تعالى {لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم، قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة هنا فروي عن ابن إسحاق أنه غرم الدية، وقال غيره: الكفارة، وقال غيرهما: الغم باتفاق قتل المسلم على يده لأن المؤمن يغتم لذلك وإن لم يقصده، وقال آخرون: العيب، وحكي عن بعضهم أنه قال: المعرة الإثم، وهذا باطل لأنه تعالى قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا لقوله تعالى {لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه .... إلى أن قال:
وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين، لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم، ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة، كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم تكن فيه دية ولا كفارة، ولأنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة، فصاروا في الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب به شيء. اهـ [97]
قال الشيخ محمد الشربيني الخطيب رحمه الله في حكاية المذاهب في ذلك: فإن دعت الضرورة إلى رميهم ـ أي المسلمون ـ بأن تترسوا بهم حال التحام القتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم، جاز رميهم حينئذ في الأصح ونقصد بذلك قتال المشركين ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان، لأن مفسدة الإعراض ـ أي الكف عن القتال ـ أعظم من مفسدة الإقدام ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية، والقول الثاني: المنع إذا لم يأتى رمي الكفار إلا برمي مسلم أو ذمي والمستأمن كالذمي. اهـ [98]
ويظهر من القول السابق أن مدار كلام العلماء سواء من أجاز ومن منع دائر على اعتبار المصالح، فإن كانت مصلحة أهل الإسلام متحققة من قتل الترس جاز وإلا منع، وإن كانت مفسدة ترك قتال الكفار والحالة هذه أعظم من مفسدة قتل من معهم ممن لا يجوز قتلهم، اغتفرت مفسدة الإقدام على القتل بجانب مصلحة الدفاع عن