فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 49

وقال تعالى {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدي بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين قال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [111] .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات: {يقول الذين استضعفوا} وهم الأتباع {للذين استكبروا} منهم وهم قادتهم وسادتهم {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءوا به، فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا {أنحن صددناكم عن الهدي بعد إذ جاءكم} أي أنحن فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا {بل كنتم مجرمين} ، {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} بل مكركم بالليل والنهار {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها، {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي الجميع من السادة والأتباع، كلٌ نَدِم على ما سلف منه {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} ، أي إنما نجازيكم بأعمالكم، كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم، والأتباع بحسبهم. اهـ [112]

فهذه الآيات وغيرها كثير في معناها يدل على أن الأتباع يحتجون هم ومن كانوا يطيعونهم في الدنيا أمام الله تعالى يوم القيامة، معتذرين ـ أي الأتباع ـ بأنهم كانوا ضعفاء مقهورين، وأنهم كانوا يطيعون أسيادهم حينما يأمرونهم بمعصية الله تعالى لأنهم الأسياد الذين تجب طاعتهم فهم القادة والعظماء والكبراء، وظن هؤلاء المجرمون أنهم ناجون بذلك من العذاب، فبين الله تعالى في قرآنه أنه جامعهم هم ومن كانوا يطيعونهم في الدنيا في العذاب، لا فرق بين تابع ومتبوع ولا يغني عنهم ما اعتذروا به شيئا.

وهذه العقيدة الفاسدة ـ عقيدة عدم مؤاخذة الأتباع إذا أمرهم الأسياد ـ ترفضها أحكام الشريعة أيضا للوجوه التالية:

1 -قد تقرر من أحكام الشريعة أن الذي يتولى الكافرين وينصرهم بالقول والفعل ويقاتل المسلمين معهم فإن حكمه حكمهم [113] وذلك:

-لقوله تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [114] .

قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنين الكفار ظهرا وأنصارا، توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك {فليس من الله في شيء} يعني بذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. اهـ [115]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت