رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين ولكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى {ولولا رجال مؤمنون ... } الآية، قال الليث: ترك فتح حصن قدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد، فعلى هذا إن قتل مسلما فعليه كفارة، وفي الدية على عاقلته روايتان. اهـ [104]
وبعد أن سردنا ما تيسر لنا من أقوال العلماء من المذاهب المختلفة في مسألة رمي الكفار إذا اختلطوا أو تترسوا بالمسلمين أو بمن لا يجوز قتلهم من النساء والصبيان أو الذميين أو المستأمنين، نخلص إلى أنه قد افترقت أقوال الفقهاء إلى ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: المنع مطلقا وهو المحكي عن مالك والأوزاعي.
المذهب الثاني: الجواز مطلقا مع سقوط الدية والكفارة وهو قول الأحناف وأحمد وبعض الحنابلة ومتأخري المالكية.
المذهب الثالث: التفصيل وهو قول الشافعية وجمهور الحنابلة، حيث لم يمنعوا رمي المشركين إذا تترسوا بغيرهم أو اختلطوا بهم طالما كانت هناك ضرورة أو حاجة للمسلمين ولا يقصد مسلم ـ ومن لا يجوز قتله ـ بالرمي، وإن ترك الرمي في هذه الحالة يفضي إلى تعطيل الجهاد، وإن اختلفوا فيمن يقتل من المسلمين هل على قاتله الدية مع الكفارة أم الكفارة فقط، وهل تكون الدية عليه أم على العاقلة؟
والقول بهذا التفصيل ـ وخاصة قول الإمام الشافعي ـ هو القول الذي نطمئن إليه من جواز الرمي للضرورة والحاجة حتى لا يتعطل الجهاد، وبناء على ذلك فإننا نرى:
1.أن رمي مؤسسات الكفار والمرتدين في هذا الزمان أصبح من ضروريات الجهاد في حربنا مع الطواغيت، حيث يحارب المجاهدون المستضعفون جحافل جرارة شاكية السلاح تامة الاستعداد بحيث أصبح من الصعوبة بمكان الدخول معهم في مواجهة مفتوحة.
2.إن تحصن الطواغيت وقادة الكفر بالسيارات المصفحة وبالدروع الواقية وبالحراسات الكثيفة وإجراءات الأمن المعقدة بحيث أصبح من العسير جدا الوصول إليهم بغير استخدام المتفجرات والصواريخ وما أشبهها، ولذلك جاز رميهم بها.
3.يحرص الطواغيت وأعداء الله دائما على أن تكون تجمعاتهم ومواكبهم وسط الناس والجماهير مما يتعذر اقتناصهم منعزلين، وإذا تركنا جهادهم أدى ذلك إلى تعطيل الجهاد، ومما يجب التنبيه عليه أن من تمكن من قتله منعزلا من أعداء الله تعالى دون التعرض لقتل المسلمين أو من لا يجوز قتلهم، فإننا نقصده منعزلا ومنفردا بعيدا عن الناس وهذا أولى وأحرى، بل هو أوجب.