فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 49

والمسلمون ملتحمون فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان، وإن كانوا غير ملتحمين أحببت الكف عنهم حتى يقاتلوهم غير متترسين [101] .

ويظهر من قول الشافعي رحمه الله المعنى الذي ذكرناه سابقا من أن ترك قتل المسلم المختلط بأهل الكفر إنما يكون إذا كان هناك مندوحة لأهل الإسلام في ترك قتال الكفار، وهذا قد يكون في بعض صور جهاد الطلب غير المتعين، حيث يطلب المسلمون أهل الكفر في ديارهم وحصونهم، وذلك واضح في قوله رحمه الله: ولأن مباحا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها، وإن قاتلناها قاتلناها بغير ما يعم من التحريق والتغريق، ولكن إذا التحم المسلمون فكان الذي يرون أنه ينكأ من التحمهم يغرقوه أو يحرقوه كان ذلك لهم أن يفعلوه ولم أكرهه لهم بأنهم مأجورون أجرين: أحدهما الدفع عن أنفسهم والآخر نكاية عدوهم غير ملتحمين. انتهى

أما إذا كان المسلمون يدافعون عن دينهم وحرماتهم، وقد أحاط بهم أهل الكفر من كل جانب وهم الذين يطلبونهم وإن ظفروا بهم عذبوهم وقتلوهم، أو حل الكفار بديار المسلمين يريدون حملهم على الكفر بقوة السلاح، ويقيمون فيهم أحكام الكفار بعد أن تركوا حكم الله تعالى، ففي هذه الحالة يتعين على كل مسلم قتال هؤلاء بما يستطيعه من أنواع القتال، ولا يُترك القتال الواجب المتعين لأجل من يُقتل من المسلمين عرضا لا قصدا، وكان من يُقتل في ذلك من أهل الإسلام يبعث على نيته بين يدي الله تعالى ونرجو أن يكون شهيدا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم، فقيل: يا رسول الله وفيهم المكره، فقال صلى الله عليه وسلم: يبعثون على نياتهم) فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره، فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين، كما قال تعالى {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} . اهـ [102]

وقال ابن قدامة رحمه الله: وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز، إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف، وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية، ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام. اهـ [103]

وقال أيضا رحمه الله: وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت