أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهِمْ كَمَا قَالَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَى إِسْحَاقُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ حَقًّا فَهُوَ تَوْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ وُلِدُوا عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ أَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى"الْمِلَّةِ"، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ حُنَفَاءَ، بَلْ هُوَ مُؤَيِّدٌ لَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"إِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ انْقَسَمُوا إِلَى طَائِعٍ وَكَافِرٍ"فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِيمَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنِ السُّدِّيِّ، وَفِي"تَفْسِيرِهِ":"لَمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُهْبِطَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقَالَ لَهُمْ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقَالَ: ادْخُلُوا النَّارَ، وَلَا أُبَالِي"وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27] ،: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} [الواقعة: 41] ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ، فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَأَعْطَاهُ طَائِفَةٌ طَائِعِينَ، وَطَائِفَةٌ كَارِهِينَ عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ. فَقَالَ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ: شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ يَقُولُوا: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ"فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ اللَّهَ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ:"