بل هي أكثر من زلة وأكثر من سوء، فإن الإمام الأوزاعي قد أحصاها فوجدها خمس زلات قبيحات تزيد طرد الخير قبحًا، فقال:
(دع من الجدال ما:
يفتن القلب
وينبت الضغينة
ويجفى القلب.
ويرق الورع في المنطق.
والفعل.).
وهذا إثقال واضح لكفة الشمال من ميزان المتجادل ينبي عن خسارته والعياذ بالله، خسارة يصعب معها الرجاء إذا اقترنت بلجاجة وإعجاب، إذ تتم حينذاك، كما رآها التابعي بلال بن سعد فقال:
(إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته) .
قول خبير ليس بكاذب ولا مبالغ.
والمخرج من ذلك سهل بسيط ليس بالصعب عند الموفق، لا يستدعى أكثر من إغلاق وفتح.
يغلق ويقفل باب الجدل، ويرمي بالمفتاح بعيدًا، ثم في حركة سريعة يفتح باب العمل، ليجد نفسه في إطلاله بديعة تأخذ بمجامع فؤاده على ألوان متموجة تفيض من مشكاة:
النور الثاني عشر، وينبعث بشعاع:
المبالغة في الصدق يوم الفتنة
فإن لا طريق أقرب من الصدق.
وحين تاب الله على كعب بن مالك رضي الله عنه لما افتتن فتخلف في الثلاثة الذين خلفوا، قال:
(يا رسول الله: إن الله إنما نجاني بالصدق، إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت) (1) .
فغدا الصدق من يوم اختاره كعب سنة لتوبة المفتتنين، وكفاية لاحتياط الحذرين.
صدقا يتجاوز مقداره العرفي الذي تدين بفضيلته كل الأمم حين يتعامل أفرادها في أسواقهم وزيجاتهم، ويتعداه، ليكون نوعا من الحساسية الإيمانية تستشعر الرقابة الربانية، حين ترسل الفتن المتربصة لغزونا من يوسوس في صدورنا ويشجعنا على الانتصار لنفوسنا عند الخلاف بزيادة كلمة نتأول في إضافتها أنها تفسر كلام المخالف، أو بحذف كلمة بتأويل مقارب، أو باختيار لهجة لرواية الكلام تصرفه عن مقاصده الظاهرة وتحمله ما لا يحتمل من المعاني المعيبة.
(1) صحيح البخاري 6/8.