الصفحة 19 من 172

إلا السيد، فإن الفتنة هي امتحان له، فإن كانت أخلاق السيادة فيه أكثر ميزها، وإن كانت أقل جرفته، فقد يفيق في أولها، وقد يفيق في وسطها، وقد يفيق وهي على مشارف نهايتها، بمقدار ما فيه من النبل، وبمقدار ما عنده من العلم، فإن (الفتنة إذا أقبلت: عرفها كل عالم، وإذا أدبرت: عرفها كل جاهل) كما يقول الحسن البصري سيد التابعين (1) ، فإن كان علمه كاملا: أبصرها قبل مجيئها ورأى نتائجها وكأنه يهتك حجب الغيب، ويتأخر وقت إدراكه لضررها كلما كان علمه أقل، فإذا انتهت فلا فضل له في رؤية تشتت دعاتها وإفلاسهم، فإنها تكون مشاهدة بصر لا إدراك قلب، يتمكن منها من لا عقل له أيضًا، وعندئذ لن تنقذه إلا توبة نصوحة جازمة تبعده عن فتنة مقبلة أخرى، يتزود لها التقوى، ويأتم بالدليل، ويسلك الصراط، ويدور بعدها ضمن نظام الجماعة وخطتها وأعرافها.

كل صادق في إسلام وجهه لله تعالى، يدرك -مع أول خطوة- أنه مهاجر إلى الله وحده، فار إليه، فلا يزال متعجلا مشتاقًا.

وهو مع أول فراره هذا، يدرك علو مدرجه، ويعلم أنه طبقات، فلا يزال مرتقيا صاعدًا، موقنا أن مرتبة الجنة العليا تقتضي علوا في نيته، وترفعا في مسلكه، عن الخلط والنقصان.

فهو يريد استكمال عناصر الإيمان كلما علم أن هناك ثمة ثلمة، ويعزم لذلك عزمة، فإذا شرع في الاستكمال: أدرك ضرورة الصفاء فيه، وأن يرفأ ويرتق بجنس ما وهبه الله من خير آنفا، ألا يفضحه النشاز، فيعزم لذلك عزمة أخرى، فثالثة تستدعي رابعة، في نهضات متواليات، حتى يصيب مراده.

وأما من خلط: فقد غلط، لا يستطيع تناوش الاستكمال من مقعد تخليط بعيد، ولا الإرتواء من كأس ممزجة مشوبة ليس فيها الصريح.

ذو العيب يحتاج الدعاية

ولقد شبهوا المستكمل النقي ببدر تمام كيف أنه استدار، لم يتربع ولم يتطاول!.

(1) تاريخ البخاري الكبير ج2/ق2/322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت