فالبدر تمدحه خاصة الشعراء، حتى امتلأت دواوينهم بوصف بهائه، وهو صامت ساكت، بعلوه وقار الاطمئنان، أنه لن يغفل عن روعته أحد، فمن ملتذ برؤيته في صمت أيضًا، ومنبه اللسان.
قالوا: أما الناقص، المفضوح بفتوق لا رتق لها، فهو كالقمر حين يخسف، يخرج عن سكينته وصمته ويحتاج لضجيج الطبول، ومدائح الأطفال، ويستجيش حماسة العجائز، يهيب بهن أن ينكرن على حوت ابتلعه واعتدى على حقه وجماله.
الإتمام الصامت
ولذلك كانت وصية السلف أن: التمام التمام.
أرسلها أبو بكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق، أن:
(ليهنك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم: يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء...) (1) .
يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير حتى يكون كذلك البدر.
ثم ورثها عن خالد أحمد بن حنبل، فما وقف، حتى قال صاحبه المحدث إبراهيم الحربي:
(لقد صحبته عشرين سنة، صيفا وشتاءًا، وحرًا وبردًا، وليلا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس) (2) .
لم يعرف الوقوف فضلا عن التخلف ورجوع القهقري، إنا هو المرتقى المتعجل المتمم.
تثبيت وتثبيط
ولبثوا في التقدم الجرئ حتى دخلوا السباق، كل يحب أن يقرب من الكمال أدنى، حتى ليأتي أحدهم الديار البكر، ويرتاد كل يوم منزل فضل لم يعرف لأحد قلبه، ويأتي في التنافس بجديد، لم يكن له ولا لغيره بالأمس، وحتى راح الشاعر يتساءل ويبدي دهشته مخاطبا أحدهم:
عجبا بإنك سالم من وحشة ……في غاية ما زلت فيها مفردًا
يتعجب كيف لم يرجف فؤاده وهو المتوحد بلا أنيس معه يشاركه خلقه الذي هو فيه، كأنه طليعة جيش...
فأما الموفق فيمضي قدمًا، ملتذًا بتفرده هذا، ثابتا بتثبيت الله تعالى:
(1) تاريخ الطربي 3/385.
(2) مناقب أحمد لابن الجوزي /140.