الصفحة 42 من 172

فهو شموخ النزاهة، يسع الداعية، يغنيه عن الكبر، وهو تواضع الأخوة يتأدب به الداعية بلا تهمة خنوع، بل يلحق برعيل من دعاة خمسمائة سبقوه، قص الإمام البنا علينا في مذكرات الدعوة والداعية قصة رضاهم بعامل نجار أميرا عليهم لما عنده من الفقه والصلاح والتضحية، وإعراضهم عمن يحمل شهادة الأزهر العالمية.

ولذلك ثبتوا، وغشيت قلوبهم السكينة في ظلال الدعوة؟

(ألا ترى أنه من شمخ برأسه إلى السقف شجه، ومن تطأطأ: أظله وأكنه) ؟

حين تدعي نظرية ما دعواها، فإن اللحظات الحرجة وحرارة التحديات هي التي تكذبها آنذاك أو تصدقها، فيرسخ مدلولها أو يهمل، ويصير أساسا في التعامل والتفاضل أو يعرض عنه.

وحين أدلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بنظريته في الأشكال الروحية المؤتلفة، وجربها في أصحابه وتلامذته: كان عليه أن ينتظر يوم فصل يؤيد مذهبه أو يخونه، فيتكفل بنقله للأجيال اللاحقة، أو يسلمه النسيان.

الإمارة حمل ثقيل

ولقد كان يوم خلافة تلميذه عمر بن عبد العزيز هو ذاك اليوم الفصل، فلئن لم يكن ثمة جيش عاص يتحدى تلميذه وراء أسوار دمشق، فإن هناك تحديات نفس مقبلة على إغراءات الرياسة، وبطرًا اجتماعيًا، ورخاوة خلف لسلف الهمة والجهاد.

ومع كل خطوة لعمر حين كان يرتقي المنبر ليخطب خطبته الأولى:

كانت ترتجف قلوب الذين يظنون أن عبيد الله قد أحيا فيهم فقها كاد ينحرف بالتأويل، وتزداد دقات قلوبهم مع استدارة عمر، يخافون أن تغلب شهوة تنفر الناس عن مذهبهم التربوي، وتزهدهم فيه.

إنها رجفة الحاسم، لا الشك في الفقه المسند، إذ ربما كان للخوف معنى لو كان لسان عمر يتكلم أو عقله المجرد، لكنها كانت دموعه ثم، وكان قلبه...

كان فوق المنبر خريج مدرسة يحاول أن يفي لأستاذه، ويطمئن أشكاله ويحزن متواضعا لفتيان لم يعرفوا ما عرف تفرقوا، فانطلق يعلن انتصار عبيد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت