الصفحة 41 من 172

وإلا فإن الرياء يولد عجبا، ينسى معه أن الناس تراب وماء، وينسى منة الله عليه إذ جعله مسلمًا، فيتبختر، ويتصنع ويتكلف المظاهر والفصاحة، ويستأجر له حاشية تحيطه بهيبة عارية.

ولو درى أوله وحاضره ومنتهاه لوقف مكان الشاعر الذي يصفه متعجبا، ولزاد تعجبا!!

فضائح مزرية نسيها المعجب فضحك منها الشاعر:

عجب من معجب بصورته……وكان بالأمس نظفه مذره

وفي غده بعد حسن صورته ……يصير في اللحد جيفة قذره

وهو على تيهه ونخوته………ما بين ثوبيه يحمل العذره (1)

ولذلك منع الثقات إسماع الثقة مثلهم كلمة مدح فيه، بسبب قرب قميص العجب من النفوس، ألا تتناوله يد الممدوح فتلبسه، حتى خشي عمر بن الخطاب على مثل أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما ما قد يولده المدح من غرور في نفسه فقال لأنس رضي الله عنه يصف أبا موسى: (أما إنه كيس، ولا تسمعها إياه) (2) .

فإن وقع أحد في العجب، وعاون الثقات الشيطان على أخيهم بمدحهم له في الوجه على حين غفلة من أنفسهم: تطور العجب إلى كبر فيه غمط حق الآخرين، ونسي التواضع.

نعم، كما قال يونس بن عبيد:

(ليس في هذه الأمة رياء خالص، ولا كبر خالص.

فقيل له: لماذا؟

فقال: لا كبر مع السجود، ولا رياء مع التوحيد).

ولكن هذا السجود يحقق المنزلة الواطئة الدنيا من الفضل، وفوقها درجات من الفضل تتصاعد حتى تسمو، وقد أمرنا بالإتقان والمزيد، وإنما ذلك دين المتكاسلين، أن يرضوا بالقليل وينفذوا الضروري الذي يرفع عنهم شبهة الكفر والنفاق.

وماذا على داعية الإسلام لو أشبع نفسه بدل ذلك باستعلاء على نموذج الناس المنحرف، وجمع في الوقت نفسه تواضعًا لأخيه؟ ويبين مذهبه لمن يظن أنه في تناقض فيقول:

أنيه على كل الأنام نزاهة……وأشمخ، إلا للصديق، تأدبا (3)

(1) أدب الدنيا والدين/210.

(2) طبقات ابن سعد 2/345.

(3) ديوان البهاء زهير/35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت