الصفحة 40 من 172

(إن من صلاح نفسي: علمي بفسادها، وكفي للمؤمن من الشر أن يعرف فسادًا لا يصلحه) ، وكقول حسن البصري: (لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله) (1) .

فلا يزهدنك فيها أنها معرفة عيوب وتأمل سالب، بل أنظرها على أنها خطوة ضرورية في طريق الإصلاح كما نظرها وهيب.

وأنظرها على أنها صفة لا غنى عنها للداعية إن أراد أن يتحقق في الدعوة، فإن من لم يعرف نفسه وينكر عليها منكرها: لا يستطيع أن يعرف نفس غيره ويقوم اعوجاجها.

تلك مادة في قانون العمل عند الكيلاني تقول:

(إذا كنت منكرًا على نفسك: قدرت على الإنكار على غيرك.

على قدر قوة إيمانك تزيل المنكرات، وعلى قدر ضعفه تقعد في بيتك وتتخارس عن إزالتها.

أقدام الإيمان هي التي تثبت عند لقاء شياطين الإنس والجن) (2) .

إنها حروف ليست كغيرها أن يقول الكيلاني:

(تقعد في بيتك وتتخارس) .

جرسها مخيف.

إنها حروف هجاء مر في لغة الدعاة.

ويا له من عار يأنف منه كل عزيز نفس، والغيور لا ينسى هذه الجملة، كأنه يرى وجه الكيلاني يطل عبر القرون، يهتك عليه ستار النافذة، يعيره تواريه بالبيوت، وتلبسه بعيوب تقود إلى قعود.

تنقية وصفاء

وتسميها اللغة عيوبا وأخلاطًا، ولكننا عرفنا الغيبة وحب المدحة والهوى: سلاسل مقيدة وسهام شيطان، ونواقض بدايات نابضات.

فلا جرم أن يسمى الثورى الرياء بعد ذلك فسادًا حين يوصي أخاه ويقول:

(إياك وما يفسد عليك عملك، فإنما يفسد عليك عملك الرياء) .

يمر عليه هكذا ولا يعرفه، غير ناس ولا عاجز، بل لأنه أمام معنى لا يمكن تعريفه، إنما يعرفه البرئ منه فقط، كما يقرر الفضيل بن عياش حين يقول:

(لا يعرف الرياء إلا مخلص)

فمن ذاق حلاوة الإخلاص: عرف مرارة الرياء، ليس من طريقة أخرى.

يكن مخلصا ثم كفي، وسلام على عباد الله المخلصين.

آخرك نتن يا هذا...

(1) كتاب الزهد، لابن المبارك/528.

(2) الفتح الرباني/30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت