الصفحة 39 من 172

بلبل أنت، ففي الروض أمرح……ومع السرب بلحن فاصدح (1)

فليست الدنيويات بيئة المسلم، ولا مجرد الفكرة تعصمه، ولا الأهداف الجزئية تهبه الحياة، بل مؤتمر المؤمنين الشامل الايات ومجمعهم المتكامل الذي يتهادى الخير.

يريد إقبال أن لا ننفرد، ولا نأتي بنغمة نشاز تسلب اللحن جماله.

يريدنا سرب لسان واحد بعد ما كنا زمرة قلب واحد، نمرح مرح الآمال، لا نحزن حزن اليأس.

يريد تشذيبا في نفوس الجميع، نبتر به كل نتوء زائد فيهن، ليتسق خطهن المستقيم، أي: محاسبة النفس وعتابها، فإن لم تستح فتقريعها.

علمك بالفساد صلاح

فلقد كاد أمية بن أبي الصلت -وظلام الجاهلية من حوله- أن يسلم بهذه المحاسبة ومثيلاتها، يوم قال

عبد دعا نفسه فعاتبها……يعلم أن البصير رامقها (2)

فسنها أمية سنة فطرية قبل أن تكون أمر شرع، تبكت من لم يأخذ الكتاب بقوة، أن شاعرًا جاهليا سبقه في الفقه، فأيقن أن يصيرا عليما يراقب خلجات النفوس من فوق سبع سماوات ويحصيها ويعدها عدا، وراح يلوم نفسه ويدقق في النقاش.

والمسلم الصادق يزيد على ذلك، فينظم نداء الفطرة بإرشاد القرآن، وتفزعه احتمالات النفس وزخارف تمنياتها، فيلجأ إلى الله رأسا وبلا إبطاء، يردد خلف تلميذ الثوري يوسف بن أسباط دعاءه:

(اللهم عرفني نفس) .

فإن في النفس من الأسرار والخفايا ما لا يكشفه إلا عون الله لنا، حتى أستاذا في علم النفس مثل سهل بن عبد الله التستري الزاهد يجزم بأن:

(معرفة النفس أخفى من معرفة العدو) ,.

أي أن عيوبها تتستر وتموه أمرها كما يتستر العدو ويخادع، لكنه خفاء لا بد من اقتحامه واستجلائه إذا أردنا النفس الزكية، وتعيين مكان العلة يسبق مقص الجراح.

إن بحث الطيب عن داء ذي الداء …لأس الشفاء قبل الشفاء

أو كما قال زاهد مكة الثقة وهيب بن الورد:

(1) ديوان الأسرار والرموز/120.

(2) عيون الأخبار 2/375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت