فمغزى نظريته أنها تعطي للتربية الروحية الأولوية.
وربما أعطت نظرة سريعة لحديث عبيد الله بن عبد الله في صحيحي البخاري ومسلم صورة قريبة من التفصيل لما كان يربي أصحابه عليه، ولكن التفصيل كل التفصيل تفهمه إن علمت أن تربيته أنتجت عمر بن عبد العزيز رحمه الله، مثال المتجرد، ونموذج الحاكم العادل، إذ كان هو مؤدبه الخاص ومربيه الذي لقنه معاني الإيمان.
فمن بهرته شخصية عمر: عليه أن ينظر من صاغ عمر وكان وراءه، ويفحص نظرية التأليف التي ألفت بين قلبه وقلوب عصبة الخير التي عاونته في إشاعة العلم والعدل في الأمصار، ممن صقلتهم صحبة عبيد الله بن عبد الله، من أمثال: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أحد فقهاء المدينة السبعة ووالي عمر على المدينة، والزهري زعيم المحدثين، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعراك بن مالك القاضي، وصالح بن كيسان.
فلقد علمهم عبيد الله أسس السلوك في عصر الفتن الذي عاشوه، واستطاع بنظريته التربوية أن يوجههم لتأسيس مجتمع السلام والعلم من بعد ما كادت الخلافات تستهلك ما عند الناس من خير، وأداه صدق نيته في مسعاه، وتركيزه على تربية عمر بن عبد العزيز من بعد، ووعيه للاحتمالات التي تكتنف مستقبل عمر، إلى تأييد رباني رفع عمر إلى السلطة، ليعلم الناس علم الآخرة من مركز القوة المهاب لا من زوايا المستضعفين المنسية.
نعم، حال السلم بين عمر والإتمام، وشوش أبو مسلم الخراساني فيما بعد على تلامذة جيل الإصلاح الذي وعي نظرية تأليف الأرواح، لكنها كانت بارقة ولا زالت تنير طريق الدعاة السائرين، وكلمة باقية في عقب عبيد الله من حزب تأليف الأرواح.
مع السراب في النشيد
فلقد ظل وميض البارقة يتوالى، حتى استنار به إقبال من بعد القرون، فجدد حكمة عبيد الله، وراح يترنم في رياض لاهور، تتهادى نغمته، تعلم المسلم الجديد:
كل من أوتى حظا من حياة……في سوى بيئته يلقي رداه