ولا شك أن جماعة من أفراد تكاملت صياغة كل واحد منهم فقرن العلم بالجهاد والأمر والنهي بالزهد: أرفع من جماعة أخرى يكمل اختصاص الواحد منهم اختصاص الآخر.
وهذا ما يضع الجماعة المتصدية للقيام بأمر الله أمام واجب التربية الجماعية التي تأخذ من خير هذا ليشاركه هذا، ومن خير هذا فتفيضه على هذا، فيبطل أمر من خالفهم، بما سدوا من ثغرات، قد ينفذ منها هذا المخالف إلى أحدهم فيضرهم.
واجب تربوي لا تظنن أن السلف غفلوا عن إدراكه أو تلبية متطلباته، بل لا تزال قصص حياة بعضهم تنتظر من يفيد منها من دعاة الإسلام اليوم اقتداء واتباعًا، من بعد ا بنت جيلا من الدعاة في يومها الماضي، أصلحوا ما أفسد الضعفاء، وقوموا ما حرفه الدنيويون.
نظرية الأشكال المؤتلفة
يبرز منهم في الصدر الأول: التابعي المحدث الفقيه المربي الشاعر:
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، حفيد أخي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأحد فقهاء المدينة السبعة، ومن رؤوس العلم والنباهة الذين تلمذوا لعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعنهم أجمعين (1) .
نهج عبيد الله منهجا تربويا سماه: (التأليف بين الأرواح) ، وخلد عنوانه شعرا فقال:
وما يلبث الفتيان أن يتفرقوا……إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل (2)
ظاهرة بيت شعر تحركت به شفقة شاعر ليطرب قلوبا يبهجها الحرف البليغ، لكنه لمن عرف خلفياته يمثل خلاصة تجربة تربوية انسابت عبر سيرة مرب مصلح لتغذي قلوب يلذعها تفرق المسلمين.
يجزم أنه إحلال الألفة بين الأرواح، أو هو الاختلاف المشتت.
يعني ذلك أن مذهبه التربوي لا يبدأ ولا يكتفي بإعطاء العقول ما تحتاجه من علم شرعي، وتربية فكرية، وخبرة سياسية، ودراسة واقعية، بل يعتني بالقلوب أولا يجعلها متشاكلة، ويظل يواصل عنايته بها إن التفت إلى العقول بعد.
(1) تهذيب التهذيب 7/33.
(2) الأغاني 9/144.