الصفحة 67 من 172

أليس جمال الحياة أن تقول لأخيك كلما صافحته: رب اغفر لي ولأخي هذا، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك؟

أو ليس عبوس التعاتب تعكيرا تصطاد الفتن فيه كيف تشاء؟

بلي والله.

ولقد كان شاعر أسبق من دعاة يدعون الفقه، فراح يمرح ويتغنى...

من اليوم تعارفنا

ونطوي ما جرى منا

فلا كان ولا صار

ولا قلتم ولا قلنا

وإن كان ولابد

من العتب فبالحسنى

ثم يأبى إلا أن يزيد مرحه، فيبدل نغمته:

تعالوا بنا نطوى الحديث الذي جرى

ولا سمع الواشى بذاك ولا درى

تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضا

وحتى كأن العهد لم يتغيرا

لقد طال شرح القال والقيل بيننا

وما طال ذاك الشرح إلا ليقصرا

من اليوم تاريخ المحبة بيننا

عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى

ثم يبدل نغمته ثالثة، ويتملق أصحابه ليديم محبة أخوية لذيذة قد ذاق طعمها الفريد، فيقول:

تعالوا نخل العتب عنا ونصطلح

وعودوا بنا للوصل والعود أحمد

ولا تخدشوا بالعتب وجه محبة

له بهجة أنوارها نتوقد

فلا تخدش أيها الداعية، بالله عليك، وجه محبة منيرة لا زالت فذا فيها والناس من حولك تستهلكهم العداوات، وإلا وضعت نفسك على شفير الاستهلاك... إن التغافر خير.

دليل ماهر رفيق، عالم بديار آبائه وأجداده وشعابها، بينا هو يمشي معه سلاحه، في ليلة غياب القمر، بعيدًا عن العمران: رأى تائها هائما في الظلام، لا يميز معاني مواقع النجوم، أيتركه يهيم بين يدي الذئاب؟ فكذلك الداعية المجرب الذي لقنه المحنكون أصول الدعوة، ينكسر قلبه شفقة ورحمة كلها رأى هائما في ظلمات الفتنة بين يدي أصحاب المطامع والأغراض فيامنه ويوصله أهله، ويؤنسه أثناء الطريق بدروس في مواقع النجوم وأبراج السماء ودلالتها على الجهات كي لا يضل ثانية، ويوصل غيره لو رآه تائها.

وأنوار الفطنة هذه هي: الكواكب الدراري في سماء الدعوة، تزداد بريقا ولمعانًا كلما زاد الظلام لتزيل وحشة المنفرد وتهدي التائه الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت